من المنزل إلى الخيمة.. كيف غيرت حرب حزب الله وإسرائيل حياة اللبنانيين في أسابيع
من المنزل إلى الخيمة.. كيف غيرت حرب حزب الله وإسرائيل حياة اللبنانيين في أسابيع
رصدت شبكة "دويتش فيله" الألمانية، صعوبات النزوح في لبنان، بعد أن أشعل حزب الله جبهة حرب جديدة مع إسرائيل لتهدد لبنان مرة أخرى بالوقوع في دائرة الاشتباكات التي لا تنتهي.
مظاهر الحياة الطبيعية
تحاول فاطمة أ. أن تحافظ على قدر من مظاهر الحياة الطبيعية وسط الخيام المؤقتة والمراتب المكدسة والعائلات الكثيرة التي وجدت ملاذًا في المكان نفسه.
فهي تقيم حاليًا داخل مباني العازارية الواقعة في قلب المركز التجاري لمدينة بيروت، حيث تحولت هذه المباني إلى مأوى لمئات اللبنانيين الذين اضطروا للنزوح بسبب الحرب.
ويعيش داخل هذه المباني نحو 250 عائلة في خيام مؤقتة أقيمت داخل الممرات والمساحات المفتوحة. ورغم توفر المياه ومطبخ جماعي وتوزيع بعض المواد الأساسية من قبل منظمات الإغاثة، فإن المساحة المتاحة ضيقة للغاية، ولا توفر أي قدر من الخصوصية أو الهدوء للعائلات التي تعيش هناك.
وفي أوائل شهر مارس، اضطرت فاطمة وعائلتها إلى مغادرة منزلها في ضواحي بيروت الجنوبية بعد تعرض المنطقة لهجمات إسرائيلية. ومنذ ذلك الحين، تعيش مع زوجها وابنتها البالغة من العمر سبع سنوات ووالدتها داخل خيمة صغيرة تضم القليل من الأغراض الشخصية التي تمكنت من حملها أثناء فرارها من منزلها.
حياة يومية صعبة داخل المأوى
تقضي فاطمة معظم وقتها داخل الخيمة، حتى أنها تتجنب الخروج لاستخدام الحمامات المشتركة إلا للضرورة.
وتقول: إن الأمر يسبب لها شعورًا كبيرًا بالحرج لأن الجميع يضطر للانتظار في طوابير طويلة.
وتجلس داخل خيمتها الصغيرة محاطة بالحقائب والبطانيات وبعض الأغراض القليلة التي استطاعت اصطحابها معها. وتشترك مع أفراد عائلتها الأربعة في مساحة ضيقة بالكاد تكفي للنوم والجلوس.
أما زوجها، وهو نجار، فيقضي وقته في مساعدة بقية النازحين داخل المبنى، حيث يقوم بإصلاح بعض الأغراض وبناء تجهيزات بسيطة وتنظيم بعض المساحات.
وتقول فاطمة: إن مساعدته للآخرين ساعدت الأسرة على الحصول على خيمتين بدلاً من خيمة واحدة.
وخلال النهار تحاول فاطمة أن تمارس بعض تفاصيل الحياة اليومية قدر الإمكان، إلا أن الليل يبقى الأصعب.
وتوضح أن أصوات الانفجارات تكون شديدة للغاية في الليل، ما يجعل كثيرًا من النازحين ينامون بملابسهم بالكامل خوفًا من اضطرارهم إلى الهرب في أي لحظة.
اتساع رقعة الصراع داخل لبنان
وصلت تداعيات الحرب المرتبطة بإيران إلى بيروت منذ فترة، إلا أن نطاق العمليات العسكرية اتسع في الفترة الأخيرة ليشمل مناطق خارج نطاق ما كان يعرف سابقًا بمناطق المواجهة التقليدية.
فقد وسعت إسرائيل نطاق هجماتها الجوية لتشمل مناطق لا تصنف عادة ضمن الأحياء الداعمة لحزب الله، بما في ذلك أجزاء من وسط العاصمة بيروت، وفي بعض الأحيان تنفذ هذه الضربات من دون أي إنذار مسبق.
ويعد حزب الله قوة سياسية وعسكرية مؤثرة داخل المجتمع اللبناني، وهو حليف لإيران ويعارض إسرائيل.
وتعتبره الولايات المتحدة وألمانيا وعدد من الدول السنية منظمة إرهابية، بينما يصنف الاتحاد الأوروبي جناحه العسكري فقط ضمن المنظمات الإرهابية.
وفي الوقت ذاته، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس، أن بلاده تعتزم إقامة منطقة عازلة داخل جنوب لبنان، مع الإبقاء على سيطرة أمنية إسرائيلية عليها حتى بعد انتهاء الحرب المرتبطة بإيران.
وأوضح كاتس، أن هذه المنطقة قد تمتد حتى نهر الليطاني، الذي يبعد نحو 30 كيلومترًا عن الحدود اللبنانية مع إسرائيل، مضيفًا أن جميع المنازل في القرى اللبنانية القريبة من الحدود سيتم تدميرها.
وفي المقابل، قال وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى: إن تصريحات كاتس تعكس نية إسرائيل فرض احتلال جديد لأراضٍ لبنانية وتهجير مئات الآلاف من السكان قسرًا وتدمير القرى والبلدات في الجنوب بشكل ممنهج.
كما دعا بيان مشترك وقعه وزراء خارجية عشر دول أوروبية، إلى جانب مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، إسرائيل إلى احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه.
لا مكان آمن
لكن هذه الدعوات الدولية لا توفر شعورًا بالأمان بالنسبة للمدنيين اللبنانيين الذين يعيشون تداعيات الهجمات.
فالكثير منهم يعتقد أن أي مكان في لبنان لم يعد آمنًا.
وتقول فاطمة: إن عائلتها غادرت منزلها لأنها لم تعد تشعر بوجود مكان آمن، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أنه لم يكن أمامهم خيار آخر.
قبل أسابيع قليلة فقط كانت العائلة تعيش في منزلها في منطقة الأوزاعي الواقعة جنوب بيروت، وهي منطقة مكتظة بالسكان وتعد جزءًا من الضاحية الجنوبية للعاصمة.
وتعد الضاحية الجنوبية منطقة واسعة تقارب في حجمها وسط بيروت تقريبًا.
وخلال العقود الماضية توسعت هذه المنطقة نتيجة موجات الهجرة والنزوح الداخلي، حيث انتقل إليها كثير من السكان بسبب ارتفاع تكاليف السكن في مناطق أخرى من العاصمة أو بسبب الحروب والأزمات السياسية ونقص الخدمات الحكومية في مناطقهم الأصلية.
وبالنسبة لبعض المراقبين في الخارج، ينظر إلى الضاحية الجنوبية غالبًا باعتبارها معقلاً لحزب الله، إلا أن سكانها يرونها قبل كل شيء منطقة سكنية طبيعية تضم محالاً تجارية ومطاعم وأسواقًا وتشكل موطنهم الحقيقي.
وتؤكد فاطمة، أن حياتها هناك كانت طبيعية ومستقرة، حيث كانت ابنتها تذهب إلى المدرسة ويعمل زوجها في النجارة بينما كانت هي تدير شؤون المنزل.
تصاعد القتال رغم وقف إطلاق النار
لكن الوضع تغير بشكل جذري في أواخر فبراير عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات عسكرية ضد إيران، وأسفرت العمليات عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
وبعد ذلك انضم حزب الله إلى الحرب في بداية مارس، معلناً أن مشاركته تأتي ردًا على اغتيال خامنئي. وبدأ بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل، التي ردت بدورها بسلسلة من الضربات الجوية.
ومنذ ذلك الحين تصاعدت حدة العنف في لبنان بشكل ملحوظ.
ومع اندلاع المواجهات، قررت عائلة فاطمة مغادرة منزلها على الفور. وتمكنت الأسرة من العودة إليه مرتين والبقاء فيه لليلتين فقط، لكن الوضع أصبح أكثر خطورة بشكل واضح.
وتقول فاطمة: إن الخوف كان السبب الرئيسي وراء قرارهم بالمغادرة مجددًا، خاصة من أجل سلامة ابنتهم الوحيدة.
وتوضح، أنها استغرقت خمس سنوات حتى تمكنت من الحمل بطفلتها، لذلك كانت تخشى أن تفقدها. كما أن الطفلة ما زالت تعاني من آثار الحرب السابقة في عام 2024، إذ تشعر بالخوف الشديد من الأصوات المرتفعة وغالبًا ما تغطي أذنيها عندما تسمع أي ضجيج.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في نوفمبر 2024، فإن الهجمات لم تتوقف تمامًا، واستمرت الانفجارات والضربات الجوية.
ووفقًا لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان والحكومة اللبنانية، سجل أكثر من 15400 خرق لوقف إطلاق النار من جانب القوات الإسرائيلية حتى فبراير 2026، ما أدى إلى مقتل أكثر من 370 شخصًا في لبنان رغم سريان الاتفاق.
وأشار رئيس برامج منظمة أطباء بلا حدود في لبنان جيريمي ريستورد إلى أن الهجمات الإسرائيلية المستمرة لا تدمر المنازل والبنية التحتية فحسب، بل تقوض أيضًا أسس الحياة اليومية وفرص التعافي.
رحلة النزوح
أمام هذا الواقع قررت عائلة فاطمة الرحيل مرة أخرى. فقد جمعوا الضروريات فقط وغادروا المنزل من دون معرفة وجهتهم النهائية.
وعلى الطريق واجهوا ازدحامًا مروريًا شديدًا بسبب خروج عدد كبير من سكان المنطقة في الوقت نفسه.
في البداية اضطرت الأسرة للنوم داخل سيارتها، قبل أن تتمكن لاحقًا من العثور على مكان داخل مباني العازارية التي تحولت إلى مركز إيواء للنازحين.
وتقول فاطمة: إنها تفتقد منزلها كثيرًا، وحياتها السابقة وأغراضها اليومية وروتينها المعتاد، مؤكدة أن حياتهم تغيرت بالكامل خلال شهر واحد فقط.
وحتى داخل المبنى، ما تزال ابنتها تشعر بالخوف عند سماع أي صوت مرتفع وتبكي كثيرًا. وعندما يحدث ذلك تحتضنها فاطمة وتحاول تهدئتها، قائلة إنها تنسى خوفها الشخصي في تلك اللحظات وتركز فقط على مواساة ابنتها.
مستقبل غير واضح
ولا يبدو أن الأوضاع ستتحسن قريبًا. فقد أعلن منسق الإغاثة الطارئة في الأمم المتحدة توم فليتشر خلال جلسة لمجلس الأمن في 31 مارس أن عدد القتلى في لبنان بلغ 1240 شخصًا، إضافة إلى نحو 3500 جريح، بينهم نساء وأطفال وعمال إغاثة.
كما تجاوز عدد النازحين داخل البلاد 1.1 مليون شخص، بينهم مئات الآلاف من الأطفال.
وحذر فليتشر من أن لبنان يشهد دورة متواصلة من النزوح القسري، مشيرًا إلى أن النزوح ليس حلاً بل خيارًا مؤلمًا أخيرًا للحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
ورغم صعوبة الظروف، ما تزال هناك لحظات تمنح فاطمة بعض الأمل، خاصة عندما ترى الأطفال يلعبون في المكان.
فعندما ترى ابنتها تضحك وتلعب لبضع دقائق من دون خوف، تشعر بأن الأمور قد تتحسن يومًا ما.
لكن هذا الشعور لا يدوم طويلاً. فصوت الطائرات المسيرة الإسرائيلية فوق بيروت والانفجارات البعيدة يعيدانها سريعًا إلى الواقع القاسي الذي تعيشه عائلتها الآن.
وتقول فاطمة: إن عائلتها ليست الأولى التي اضطرت إلى الفرار من منزلها ولن تكون الأخيرة، مؤكدة أنهم يحاولون فقط الصمود، وأن ما تريده أن يعرفه العالم هو أنهم كانوا يعيشون حياة كريمة قبل أن تغير الحرب كل شيء.

العرب مباشر
الكلمات