كسر عظام في حلب وخطة ضغط ميداني ضد قسد .. ماذا يحدث؟

كسر عظام في حلب وخطة ضغط ميداني ضد قسد .. ماذا يحدث؟

كسر عظام في حلب وخطة ضغط ميداني ضد قسد .. ماذا يحدث؟
اشتباكات حلب

في مدينة اعتادت أن تكون مسرحًا للحروب والانكسارات، تعود حلب مجددًا إلى واجهة النار. أصوات القذائف التي لم تغب يومًا طويلًا عن سمائها، ارتفعت هذه المرة بوتيرة أعنف، لتوقظ ذاكرة مدينة لم تتعافَ أصلًا من جراحها. اشتباكات متبادلة، قصف على أحياء سكنية، اتهامات متقابلة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، وبيانات نارية لا تقل سخونة عن المدافع، المشهد يتجاوز كونه جولة عسكرية محدودة؛ فهو اختبار قاسٍ لاتفاق سياسي متعثر، ورسالة ميدانية مفتوحة على كل الاحتمالات. 

وفي القلب من هذا كله، يقف المدني الحلبي مرة أخرى عاريًا من الحماية، محاصرًا بين نيران متقابلة وخطابات تعبئة لا ترى فيه سوى رقم في بيانات الخسائر. تسعة قتلى وعشرات الجرحى ليسوا مجرد إحصاء، بل مؤشر مبكر على أن حلب تُدفع نحو فصل جديد من العنف، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

قصف متبادل


عاد التوتر العسكري ليخيم بثقله على مدينة حلب، بعدما شهدت أحياء عدة قصفًا متبادلًا بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في تصعيد وصفته مصادر محلية بأنه الأعنف منذ شهور. التصعيد أسفر، وفق السلطات السورية، عن سقوط 9 قتلى من المدنيين وإصابة 55 آخرين، وسط اتهامات مباشرة لقسد باستهداف مناطق مأهولة بالسكان.

السلطات المحلية في حلب سارعت إلى تحميل القوات الكردية المسؤولية الكاملة عن سقوط الضحايا. مدير إعلام صحة حلب، منير المحمد، قال: إن حصيلة القتلى والجرحى ارتفعت نتيجة قصف استهدف أحياء سكنية، فيما وصف محافظ حلب عزام الغريب ما جرى بأنه "جرائم لا تُغتفر"، متهمًا قسد باستخدام الأهالي "كدرع بشري وهدف في آن واحد".

لغة البيانات الرسمية لم تكن محايدة. الغريب تحدث عن قصف طال منازل ومشافي ومؤسسات حكومية، مؤكدًا أن ما يحدث "لن يمر دون رد"، في إشارة واضحة إلى احتمال اتساع رقعة المواجهات.

 بدورها، أعلنت قيادة الأمن الداخلي السوري، أن قوات قسد تتحمل "المسؤولية الكاملة عن إطلاق النيران العشوائية على مناطق مدنية"، داعية عناصرها إلى الانشقاق وتسليم أسلحتهم والتواصل مع الجهات المختصة.

رواية مختلفة


هذه الدعوة، في سياقها السياسي والعسكري، لا يمكن فصلها عن محاولات دمشق تفكيك البنية العسكرية لقسد في الشمال، أو على الأقل إضعافها ميدانيًا. فهي رسالة مزدوجة، تهديد مباشر من جهة، ومحاولة شق الصف الداخلي من جهة أخرى.

على الأرض، لم يقتصر المشهد على بيانات وتبادل اتهامات. وكالة "سانا" تحدثت عن اندلاع حريق في شارع فيصل بين حيي الجميلية والسبيل جراء سقوط قذائف، في منطقة تُعد من أكثر المناطق حيوية داخل المدينة. 


صور النيران والدخان أعادت إلى الأذهان مشاهد السنوات السوداء، حين كانت حلب عنوانًا للحرب المفتوحة.

في المقابل، أصدرت قوات الأمن الداخلي الكردية في حلب بيانًا مختلف الرواية تمامًا، قالت فيه إنها دمرت مدرعتين وأسقطت قتلى في صفوف "فصائل حكومة دمشق" أثناء محاولتهم التقدم نحو حيّي الشيخ مقصود والأشرفية. 

وأكدت أن الاشتباكات ما تزال مستمرة وسط "مقاومة بطولية"، في مواجهة قصف بالدبابات والمدفعية والطيران المسيّر.

سياق سياسي معقد


القوات الكردية أعلنت أن حصيلة قتلى المهاجمين بلغت 9 مسلحين حتى لحظة صدور البيان، في محاولة لتقديم صورة ميدانية معاكسة تمامًا لما ترويه دمشق. هنا، تتجلى الحرب الإعلامية إلى جانب الحرب العسكرية: كل طرف يسعى لإثبات أنه في موقع الدفاع، وأن الآخر هو المعتدي.

لكن خلف هذه الاشتباكات، يقف سياق سياسي أكثر تعقيدًا. فالتصعيد يأتي في وقت تشهد فيه المفاوضات بين دمشق وقسد حالة جمود منذ توقيع اتفاق في مارس الماضي، نص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية ضمن إطار الدولة السورية. ذلك الاتفاق، الذي رُوّج له حينها كخطوة نحو إنهاء الانقسام في الشمال، يبدو اليوم أقرب إلى حبر على ورق.

نار النفوذ


من جانبه، كشف مصدر أمني مطّلع لـ"العرب مباشر"، أن التصعيد العسكري في أحياء حلب الشمالية لم يكن رد فعل عشوائيًا أو اشتباكًا طارئًا، بل جاء ضمن "خطة ضغط ميداني محسوبة" لإعادة رسم خطوط النفوذ داخل المدينة، في ظل تعثر المسار السياسي بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية.

وأوضح المصدر، أن هناك تعليمات واضحة برفع مستوى الاشتباك تدريجيًا لإيصال رسالة مزدوجة: الأولى لقسد بأن اتفاق مارس بات بلا غطاء سياسي إذا لم يُترجم على الأرض، والثانية للأطراف الإقليمية بأن دمشق قادرة على فرض وقائع جديدة داخل مناطق حساسة دون انتظار ضوء أخضر من أحد.

وأضاف المصدر، أن الأيام الماضية شهدت تحركات غير معلنة لوحدات عسكرية نوعية إلى محيط الشيخ مقصود والأشرفية، بالتزامن مع تعزيزات لوجستية في ريف حلب الشمالي، ما يشير – بحسب تعبيره – إلى أن "السيناريو المقبل قد يتجاوز القصف المتقطع إلى اشتباكات أوسع إذا استمرت قسد في سياسة كسب الوقت".
الأخطر – بحسب المصدر – أن بعض خطوط التماس أصبحت تضم عناصر غير منضبطة من الطرفين، ما يرفع احتمالات الانفلات الأمني، ويجعل المدنيين في قلب دائرة الخطر.