العالم بلا قيود نووية.. انتهاء آخر معاهدة تضبط ترسانتي واشنطن وموسكو

العالم بلا قيود نووية.. انتهاء آخر معاهدة تضبط ترسانتي واشنطن وموسكو

العالم بلا قيود نووية.. انتهاء آخر معاهدة تضبط ترسانتي واشنطن وموسكو
المنشآت النووية

في تطور بالغ الخطورة على منظومة الأمن الدولي، انتهت صلاحية آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا، ما أثار مخاوف متزايدة من انطلاق سباق تسلح نووي جديد بين القوتين الأكبر امتلاكًا للرؤوس النووية في العالم، وفقًا لما نشرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

نيو ستارت.. نهاية إطار ضبط التسلح

المعاهدة المعروفة باسم ستارت الجديدة، التي وُقعت عام 2010، كانت واحدة من عدد محدود من الاتفاقيات الدولية التي صُممت للحيلولة دون اندلاع حرب نووية كارثية، وأسهمت في ضبط الترسانتين النوويتين لواشنطن وموسكو خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة. 

ومع انتهاء العمل بها عند منتصف ليل غرينتش، دخلت العلاقات النووية بين البلدين مرحلة غير مسبوقة من الغموض وعدم اليقين.

تحذير أممي من تداعيات خطيرة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وصف انتهاء المعاهدة بأنه لحظة خطيرة للأمن والسلم الدوليين، محذرًا من أن العالم يواجه الآن واقعًا لا توجد فيه أي قيود قانونية ملزمة على الترسانات النووية الاستراتيجية للدولتين اللتين تمتلكان الغالبية الساحقة من الأسلحة النووية عالميًا.

ودعا الولايات المتحدة وروسيا إلى التحرك دون تأخير للتفاوض على إطار بديل يواكب التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية الدولية، في وقت قال "إن خطر استخدام سلاح نووي هو الأعلى منذ عقود".

وأكد غوتيريش، أنه يرحب بتصريحات كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي تعكس إدراكهما لخطورة الانتشار النووي غير المنضبط، إلا أنه شدد على ضرورة ترجمة هذه التصريحات إلى خطوات عملية تعيد مسار ضبط التسلح إلى الواجهة.

في سياق متصل، دعا بابا الفاتيكان ليو واشنطن وموسكو إلى تجديد الاتفاق أو التوصل إلى بديل له، معتبرًا أن الوضع العالمي الراهن يتطلب بذل كل الجهود الممكنة لمنع انطلاق سباق تسلح نووي جديد.

من ستارت الأولى إلى نيو ستارت 

كانت معاهدة ستارت الأصلية، التي وُقعت عام 1991 بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، قد فرضت سقفًا أقصاه ستة آلاف رأس نووي لكل طرف. 

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، جرى استبدالها باتفاق نيو ستارت، الذي وُقع في براغ عام 2010 بين واشنطن وموسكو، بوصفها الدولة الخلف للاتحاد السوفييتي.

ورغم أن روسيا أعلنت تعليق مشاركتها في المعاهدة قبل ثلاثة أعوام على خلفية تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، فإن التقديرات كانت تشير إلى أن الطرفين واصلا الالتزام العملي ببنودها، ولا سيما القيود المفروضة على عدد الرؤوس النووية المنتشرة.

وقد حدّت المعاهدة من عدد الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة لكل طرف عند سقف 1550 رأسًا، كما أرست آليات للشفافية شملت تبادل البيانات، والإخطار المسبق، وعمليات التفتيش الميداني، بما ساعد على تقليل مخاطر سوء التقدير وسوء الفهم المتبادل بشأن النيات العسكرية.

تفكك منظومة اتفاقيات ضبط التسلح

يأتي انتهاء نيو ستارت ضمن نمط مقلق من انهيار اتفاقيات ضبط التسلح التي شكلت لعقود ركيزة للاستقرار الدولي.

 فقد سبق أن انهارت عدة معاهدات محورية، من بينها اتفاقية الصواريخ النووية متوسطة المدى، ومعاهدة الأجواء المفتوحة، ومعاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا.

حذر الأميرال البريطاني المتقاعد توني راداكين من أن البنية والهياكل التي حافظت على قدر من الأمان العالمي باتت مهددة بالتفكك، واصفًا انهيار معاهدات ضبط التسلح بأنه أحد أخطر ملامح المشهد الأمني العالمي الحالي، إلى جانب تصاعد أهمية الأسلحة النووية.

قال دميتري ميدفيديف، الرئيس الروسي السابق: إن انتهاء المعاهدة يجب أن يثير القلق لدى الجميع.

وفي الوقت نفسه، أكد مستشار بارز للرئيس فلاديمير بوتين، أن موسكو ستتصرف بشكل متزن ومسؤول، قبل أن تعلن وزارة الخارجية الروسية أن الأطراف لم تعد مقيدة بأي التزامات، مع تأكيد الاستعداد لاتخاذ إجراءات عسكرية وتقنية حاسمة لمواجهة أي تهديدات إضافية.

واشنطن أقل قلقًا وتبحث عن اتفاق جديد

في المقابل، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب أقل قلقًا من انتهاء المعاهدة، معتبرًا أن الطريق ما يزال مفتوحًا للتوصل إلى اتفاق أفضل في المستقبل، شرط أن يكون أكثر شمولاً.

ترى واشنطن أن أي اتفاق جديد يجب أن يشمل الصين، في ظل التوسع السريع في ترسانتها النووية، وهو موقف أيدته ألمانيا.

 في المقابل، تصر موسكو على ضرورة إشراك فرنسا وبريطانيا، باعتبارهما قوتين نوويتين أوروبيتين، في أي ترتيبات مستقبلية.

تحديث الترسانات وبداية سباق جديد  

يرى خبراء في شؤون الانتشار النووي، أن انتهاء ستارت الجديدة يبعث على قلق بالغ، في ظل تحديث الولايات المتحدة وروسيا لقواتهما النووية وتطوير منظومات جديدة، ما يشير إلى أن سباق تسلح نووي جديد بات قيد التشكل بالفعل.

تشير التحليلات إلى قلق روسي من أنظمة الدفاع الجوي الأميركية، خاصة مشروع القبة الذهبية، في مقابل تطوير موسكو أسلحة مصممة لتجاوز تلك الدفاعات، من بينها منظومة بوسيدون النووية البحرية وصاروخ بوريفيستنيك العامل بالطاقة النووية، إضافة إلى سباق تطوير الصواريخ الفرط صوتية بين واشنطن وموسكو وبكين.

 

ورغم أن إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد ما تزال قائمة من الناحية النظرية، فإن انتهاء معاهدة ستارت الجديدة يعكس بوضوح دخول العالم مرحلة أكثر تقلبًا وخطورة على صعيد الأمن النووي الدولي، في ظل غياب أطر ملزمة تضبط سباق التسلح المتسارع.