إيران تواجه أخطر اختبار بعد الحرب.. السلام يهدد بكشف أزمات أعمق من المعارك

إيران تواجه أخطر اختبار بعد الحرب.. السلام يهدد بكشف أزمات أعمق من المعارك

إيران تواجه أخطر اختبار بعد الحرب.. السلام يهدد بكشف أزمات أعمق من المعارك
الحرب علي إيران

تستعد إيران بالفعل لمرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب احتمالات انتهاء الحرب، حيث يواجه النظام الإيراني تحديًا لا يقل خطورة عن إدارة المعارك العسكرية نفسها، يتمثل في كيفية الانتقال من حالة التماسك الوطني التي فرضتها ظروف الحرب إلى واقع سلام قد يتسم بالانقسامات السياسية والأزمات الاقتصادية العميقة والاحتقان الاجتماعي المتزايد، وفقًا لما رصدته صحيفة "الغارديان" البريطانية.

ويرى مراقبون ومحللون إيرانيون، أن البلاد تقف أمام مرحلة مصيرية تتداخل فيها تداعيات الدمار الاقتصادي مع مطالب الإصلاح السياسي والضغوط المعيشية المتصاعدة، في وقت لم تُحل فيه الأسباب التي أدت إلى موجة الاحتجاجات الدامية التي شهدتها البلاد قبل الحرب، بل تفاقمت بصورة أكبر نتيجة الصراع.

نقاشات مبكرة 

رغم أن اتفاق سلام نهائيًا لم يُبرم بعد، بدأت داخل الأوساط السياسية والفكرية الإيرانية مناقشات واسعة بشأن شكل الدولة في مرحلة ما بعد الحرب.

تشهد منصات إعلامية وقنوات نقاش داخلية تداول رؤى متباينة حول مستقبل البلاد، إذ يدعو بعض التيارات إلى مزيد من الانفتاح السياسي والاقتصادي، بينما يرى آخرون أن الحرب أثبتت قدرة إيران على الصمود وأن عليها استثمار هذه النتيجة لتعزيز استقلاليتها الاقتصادية والسياسية.

ومن بين هذه الأصوات سعيد أجورلو، المقرب من فريق التفاوض الإيراني، الذي يعتبر أن الصورة الغربية التقليدية عن ضعف إيران قد تلاشت، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على التنمية القائمة على الاستقلال الذاتي بدلاً من الاعتماد على الخارج.

العقوبات والدمار الاقتصادي

ويظل مستقبل الاقتصاد الإيراني مرتبطًا إلى حدٍ كبير بمدى استعداد الولايات المتحدة لتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، ورفع التجميد عن بعض الأصول الإيرانية في الخارج.

لا يتوقع معظم الاقتصاديين الإيرانيين أن يكون أي تخفيف للعقوبات كافيًا لتعويض الخسائر الهائلة التي تكبدتها البلاد خلال الحرب.

وتُقدَّر الخسائر الاقتصادية بنحو 270 مليار دولار، شملت أضرارًا واسعة في البنية التحتية والمدارس وقطاع الطاقة ومصانع الحديد والصلب والمساكن ومختلف القطاعات الإنتاجية.

ويؤكد خبراء، أن هذه الأرقام تعكس حجم التحدي الذي ستواجهه الحكومة الإيرانية في جهود إعادة الإعمار، حتى في حال حدوث انفراجة سياسية مع الغرب.

الاحتجاجات لم تنتهِ

ويرى فؤاد حبيبي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة كردستان، أن الظروف التي دفعت الإيرانيين إلى الاحتجاج قبل الحرب ما تزال قائمة بل أصبحت أكثر سوءًا.

وأوضح، أن الأزمات الاقتصادية وتراجع مستويات المعيشة تفاقمت بشكل واضح، مشيرًا إلى ارتفاعات غير مسبوقة في الأسعار بسبب الحصار البحري وتداعيات الحرب.

كما أدى تقييد الإنترنت إلى فقدان ما لا يقل عن مليوني شخص وظائفهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وفق تقديرات متداولة داخل البلاد.

وأضاف، أن غياب القنوات السياسية والمؤسساتية التي تسمح للمواطنين بالتعبير عن مطالبهم، مثل الأحزاب والنقابات والاتحادات المهنية، يجعل احتمالات اندلاع احتجاجات مفاجئة أمراً قائماً في أي وقت.

ويشير محللون إلى أن حالة التماسك الحالية داخل المجتمع الإيراني مرتبطة إلى حد كبير بوجود تهديد خارجي مباشر، وأن انتهاء الحرب قد يؤدي إلى عودة الخلافات الداخلية إلى الواجهة بصورة أكثر حدة.

تضخم غذائي غير مسبوق

وفي حال التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، سيدخل الاقتصاد الإيراني مرحلة السلم وهو يواجه مستويات قياسية من التضخم الغذائي.

وبحسب بيانات رسمية إيرانية، بلغ معدل التضخم السنوي للمواد الغذائية خلال شهر مايو نحو 130%، وهو أعلى مستوى تشهده البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.

كما وصلت معدلات التضخم الخاصة باللحوم والدواجن إلى نحو 176%، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر الإيرانية بصورة حادة.

وحذر خبراء صحيون من تزايد معدلات سوء التغذية وهشاشة العظام وتأخر النمو لدى الأطفال، نتيجة اضطرار العديد من الأسر إلى تقليص أو إلغاء استهلاك منتجات الألبان بسبب ارتفاع أسعارها.

تحذيرات من انفجار اقتصادي داخلي

وفي رسالة لاقت تفاعلاً واسعًا داخل إيران، حذر وزير الاتصالات الإيراني السابق محمد جواد آذري جهرمي من أن الخطر القادم قد لا يكون عسكريًا.

وقال: إن القنبلة التالية التي قد تواجهها إيران ليست قنبلة بارود، وإنما قنبلة تضخم اقتصادي تضرب موائد المواطنين وإيجارات السكن ومستويات المعيشة.

وتساءل عما إذا كانت السلطات تدرك حجم الاستياء المتراكم داخل المجتمع الإيراني، ومدى جاهزية البلاد لمواجهة التحديات الاقتصادية المقبلة.

بيزشكيان يحذر من مرحلة صعبة

وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان يتولى مهمة إدارة الملفات الداخلية والحفاظ على استمرارية عمل مؤسسات الدولة.

وخلال الأسابيع الماضية، كرر الرئيس الإيراني التحذير من صعوبات اقتصادية مرتقبة، داعيًا إلى الحفاظ على التماسك الاجتماعي والاستعداد لفترة قد تكون من الأكثر تعقيدًا في تاريخ البلاد الحديث.

 

أزمة كهرباء تلوح في الأفق

 

ومن المؤشرات المبكرة على حجم الضغوط التي تواجهها إيران، الجدل المتصاعد حول احتمال تطبيق انقطاعات كهربائية مبرمجة.

 

ففي حين سارعت وزارة الطاقة إلى نفي بدء انقطاعات يومية اعتباراً من الشهر المقبل، حذر رئيس لجنة الطاقة في غرفة التجارة الإيرانية، أراش نجفي، من أن استمرار الإنتاج الصناعي قد يتطلب تطبيق فترات إيقاف للكهرباء تصل إلى ساعتين يوميًا.

 

وفي محاولة للحد من الاستهلاك، بدأت السلطات تقديم حوافز تشمل تخفيضات تصل إلى 30% للمستهلكين الذين ينجحون في خفض استخدامهم للطاقة بنسبة 10%.

 

الإنترنت يكشف الغضب الشعبي

 

ومع التخفيف التدريجي للقيود المفروضة على الإنترنت، بدأت تتكشف بصورة أوضح مشاعر الغضب والاستياء داخل المجتمع الإيراني.

 

وأثارت هذه الخطوة جدلاً واسعًا داخل البرلمان، حيث حاول نواب من التيار المحافظ المتشدد مساءلة وزير الاتصالات بسبب تخفيف الرقابة الرقمية.

 

ويرى ناشطون، أن ما يظهر على منصات التواصل الاجتماعي بعد تخفيف القيود يعكس حجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تراكمت خلال سنوات طويلة من الأزمات والعقوبات.

 

فرص محدودة للتعددية السياسية

 

رغم المطالب المتزايدة بالإصلاح، تبدو فرص حدوث انفتاح سياسي واسع محدودة.

 

برز ذلك مؤخرًا مع دخول رئيس الوزراء الإيراني الأسبق مير حسين موسوي إلى المستشفى، وهو الذي ما يزال خاضعًا للإقامة الجبرية منذ عام 2011، بعدما تعرض منزله لأضرار خلال الحرب.

 

يرى مراقبون، أن مجرد تدخل الرئيس الإيراني في هذه القضية يعكس حجم الحساسيات المحيطة بالملفات السياسية والأمنية داخل البلاد.