ضربات أوكرانية تشل أكبر منصة تجارة إلكترونية في روسيا وتكشف هشاشة اقتصاد الحرب

ضربات أوكرانية تشل أكبر منصة تجارة إلكترونية في روسيا وتكشف هشاشة اقتصاد الحرب

ضربات أوكرانية تشل أكبر منصة تجارة إلكترونية في روسيا وتكشف هشاشة اقتصاد الحرب
الحرب الروسية الأوكرانية

برزت مجموعة وايلدبيريز الروسية، أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في البلاد، خلال السنوات الماضية باعتبارها قصة نجاح اقتصادي سعت إلى تقديم نفسها للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوصفها أكثر من مجرد النسخة الروسية من أمازون، بل مشروعًا قادرًا على منافسة منظومة المدفوعات العالمية التي تقودها الولايات المتحدة.


وبحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، بعد تعرض أربعة من مستودعات الشركة لضربات أوكرانية خلال الأسبوع الماضي، تحولت وايلدبيريز إلى أحدث نقاط الضعف في اقتصاد الحرب الروسي، في تطور يعكس اتساع نطاق الهجمات الأوكرانية التي تستهدف البنية الاقتصادية داخل روسيا.


وتأتي هذه الضربات ضمن حملة أوكرانية جديدة تعتمد بصورة كبيرة على تقنيات محلية الصنع للطائرات المسيّرة بعيدة المدى، بهدف نقل آثار الحرب التي دخلت عامها الخامس إلى داخل الأراضي الروسية وإشعار المواطنين الروس بتداعيات الغزو الذي أطلقه الكرملين ضد أوكرانيا.


وتسببت الهجمات الأوكرانية خلال الأشهر الماضية في إلحاق أضرار بمصافٍ نفطية داخل موسكو وحتى مناطق بعيدة في سيبيريا، ما أجبر روسيا، إحدى أكبر الدول المنتجة للطاقة في العالم، على فرض قيود على توزيع الوقود واستيراد كميات إضافية لتلبية الطلب المحلي.


ومع انتقال الهجمات إلى قطاع التجارة الإلكترونية، أصبحت واحدة من أكبر الشركات الروسية تواجه أزمة غير مسبوقة، بعدما سجلت حجم أعمال بلغ نحو 6.1 تريليون روبل، أي ما يعادل نحو 78 مليار دولار، خلال العام الماضي، وكانت قد عرضت على بوتين في عام 2024 خطة طموحة للتوسع في الأسواق العالمية.

منصة تخدم القاعدة الشعبية لبوتين


تستهدف وايلدبيريز بصورة رئيسية المستهلكين من أصحاب الدخل المحدود الذين يعيشون خارج موسكو وسانت بطرسبرغ، وهم الشريحة التي تشكل جزءًا مهمًا من القاعدة الانتخابية للرئيس الروسي.


ويمتد انتشار مراكز استلام الطلبات التابعة للشركة إلى المدن الصغيرة والقرى، حيث أصبحت هذه المراكز تمثل أحد أبرز المرافق الاقتصادية والاجتماعية في تلك المناطق.

خسائر بشرية ومادية واسعة


بدأت الضربات الأوكرانية السبت الماضي، وأسفرت حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن تسعة أشخاص، فيما أشارت تقارير إلى تدمير بضائع تقدر قيمتها بعدة مليارات من الدولارات، بعدما اندلعت حرائق ضخمة تصاعدت منها أعمدة كثيفة من الدخان الأسود فوق مدن في خمس مناطق روسية.


وقال ألكسندر كولياندر، مدير في مجموعة أوراسيا للاستشارات، إن تداعيات الهجمات لن تقتصر على خسارة البضائع فقط، بل ستطال الاقتصاد الروسي بأكمله.


وأوضح أن فقدان هذه البضائع سيؤدي إلى خروج آلاف التجار من السوق، وما يترتب على ذلك من عدم سداد الضرائب والقروض والتزامات مالية أخرى، مضيفًا أن الدولة الروسية ستخسر أيضًا عشرات المليارات من الروبلات من الإيرادات الضريبية، نظرًا لأن وايلدبيريز تعد من كبار دافعي الضرائب في البلاد.

كييف تبرر الهجمات والكرملين ينفي


بررت أوكرانيا استهداف مستودعات وايلدبيريز بأنه يأتي ردًا على الضربات الروسية التي استهدفت مستودعات شركة نوفا بوشتا، وهي أكبر شركة بريد خاصة في أوكرانيا.


وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن شبكة الخدمات اللوجستية التابعة لوايلدبيريز استخدمت في تزويد الجيش الروسي بمكونات الطائرات المسيّرة ومعدات الملاحة وتجهيزات عسكرية أخرى.


في المقابل، نفى المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف هذه الاتهامات.


ورغم ذلك، تعرض منصة وايلدبيريز منتجات يمكن استخدامها في تصنيع الطائرات المسيّرة القتالية، إلى جانب معدات يستخدمها الجنود على خطوط المواجهة، مثل الدروع الواقية والخوذ العسكرية.


ويستورد جزء كبير من هذه المنتجات من الصين، ويصنف بعضها ضمن السلع ذات الاستخدام المزدوج التي تخضع لقيود غربية، وتحظى بإقبال من داعمي الحرب الذين يجمعون التبرعات لتجهيز القوات الروسية أو تصنيع طائرات مسيّرة بدائية ضمن مايعرف بالمجمع الصناعي العسكري الشعبي.


ومع ذلك، تبقى الغالبية العظمى من المنتجات التي تبيعها وايلدبيريز، والتي اشتهرت في الأساس كمنصة لبيع الملابس النسائية عبر الإنترنت، بعيدة عن أي استخدام عسكري.

8% من السعة التخزينية خرجت من الخدمة


ذكرت صحيفة كوميرسانت الروسية أن الضربات دمرت نحو 444 ألف متر مربع من المساحات التخزينية التابعة للشركة، وهو ما يعادل نحو 8% من إجمالي قدرتها التخزينية.


وأشارت الصحيفة إلى أن إعادة بناء هذه المستودعات قد تكلف الشركة نحو 36 مليار روبل، أي ما يعادل نحو 460 مليون دولار.

ضربة قاسية لآلاف الشركات الصغيرة

تسببت الهجمات أيضًا في خسائر فادحة لآلاف الشركات الصغيرة التي تعتمد على وايلدبيريز لتسويق منتجاتها، في ظل سيطرة المنصة على ما يقارب نصف سوق التجارة الإلكترونية في روسيا.

وأفادت النسخة الروسية من مجلة فوربس بأن الضربة الأولى التي استهدفت مستودعات في مدينة إلكتروستال قرب موسكو ومدينة كوتوفسك جنوب البلاد ربما تسببت وحدها في تدمير مخزون تتراوح قيمته بين 150 و235 مليار روبل، وهو رقم يقترب من صافي أرباح وايلدبيريز البالغة 175 مليار روبل خلال عام 2025.

 

تجار يوثقون خسائرهم 

نشر العديد من التجار الذين يعتمدون على وايلدبيريز مقاطع فيديو مؤثرة عبر إنستغرام، أكدوا فيها أن أعمالهم دمرت بالكامل خلال ساعات.

وقالت إحدى البائعات، وتدعى تاتيانا ميخالييفا، إن أربعة آلاف معطف فرو تملكها، تتجاوز قيمتها 20 مليون روبل، احترقت بالكامل داخل أحد المستودعات، مؤكدة أنها عاجزة عن فعل أي شيء لإنقاذ تجارتها.

كما أوضحت سفيتلانا دودو، المؤسسة المشاركة لإحدى العلامات التجارية المتخصصة في مستحضرات التجميل، أنها خسرت بضائع بقيمة مليون روبل نتيجة الضربات.

وأضافت أنها لا تزال تحت وقع الصدمة، مشيرة إلى أن جميع أصحاب الأعمال يعيشون الحالة نفسها، وأنهم اكتشفوا عبر وسائل الإعلام فقط أن الشركة لن تعوضهم عن خسائرهم إذا تعرض المستودع لأي هجوم.

 

تعديل العقود قبل الهجمات بأيام

وكشف التقرير أن وايلدبيريز أجرت تعديلًا على شروط التعاقد قبل أقل من أسبوعين من بدء الهجمات، حيث اعتبرت ضربات الطائرات المسيّرة ضمن حالات القوة القاهرة، بما يعفيها من أي التزام قانوني بتعويض التجار عن البضائع المفقودة.

ومع تصاعد الغضب بين التجار، أعلنت المؤسسة المشاركة والرئيسة التنفيذية للشركة، تاتيانا كيم، أن شركات التأمين ترفض تغطية الأضرار الناجمة عن هجمات الطائرات المسيّرة، لكنها تعهدت بإطلاق برنامج لتعويض نحو 88 ألفًا من صغار التجار الذين وصفتهم بأنهم الأقل قدرة على مواجهة الخسائر.

وأوضحت أن البرنامج سيحسب قيمة التعويضات كما لو أن البضائع التي دمرت كانت لا تزال تباع بنفس الأسعار ومعدلات المبيعات التي كانت سائدة قبل وقوع الهجمات.

غير أن عددًا من التجار أعربوا، عبر مجموعات على تطبيق تيليغرام، عن استيائهم من قيمة التعويضات، مؤكدين أنها لا تمثل سوى جزء بسيط من خسائرهم الفعلية.

ونقل موقع وكالة المستقل، الذي يعمل من خارج روسيا، عن أحد التجار قوله إنه حصل على تعويض قدره 37 ألف روبل فقط، رغم أن قيمة البضائع التي فقدها في حريق مستودع إلكتروستال بلغت نحو 1.5 مليون روبل.