| الثلاثاء 25 فبراير 2020
رئيس التحرير
علياء عيد
الجمعة 17/يناير/2020 - 10:46 ص

السودان "سلة غذاء العالم" يقتلها "الجوع"

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
arabmubasher.com/176167

عشرات الآلاف من الرجال بدأوا منذ 5 سنوات الانتشار في كل محافظات وشوارع السودان لوضع إحصاء دقيق لعدد الفقراء في البلاد التي تعاني من زمن طويل من أزمات اقتصادية متتالية وطاحنة، زادت بشكل كبير بعد انفصال الجنوب عام 2011؛ ما حرم السودان من 75% من المخزون النفطي الذي كان بمفرده يمثل 70% تقريبًا من موارد البلد العربي.

الانقسام دمر الموارد.. والصراعات تهدر المتبقي منها

السودان سلة غذاء

وكان آخر مسح تم قبل انقسام السودان، كانت نسبة الفقر العامة تطال نصف الشعب تقريبًا بواقع 46%، ومع الانفصال وما تبعه من تخبط هائل واختلال شديد في موارد وإيرادات الدولة وتغيير في سعر الصرف وعدد السكان وأنشطة السكان وكانت النتيجة لكل ما سبق زيادة متصاعدة في نسب الفقر سواء بشكل عام أو على مستوى الولايات السودانية.

الدراسات خلال العام الماضي كشفت أن الواقع أكثر قسوة من الماضي، وأن مؤشر الفقر تحرك بسرعة الصاروخ ليكسر حاجز الـ80% من إجمالي الشعب السوداني، بسبب الصراعات المسلحة التي تستهلك ملايين الدولارات سنويًا، والهجرة إلى المدن ونزوح ما يقرب من نصف مليون مواطن بعيدًا عن مناطق الصراعات وهؤلاء تمت إضافتهم لـ3 ملايين شخص يعيشون في مخيمات النزوح منذ بداية الأزمة من عشر سنوات، وإهمال قطاع الزراعة، وسوء إدارة للموارد بسبب الانشغال بالاضطرابات السياسية.

خطط دون دراسات وجهود مهدرة وضعف الإنفاق الحكومي

السودان سلة غذاء

خلال السنوات الماضية، حاولت الحكومة السودانية السيطرة على الفقر لكن دون جدوى، ولم تحقق نجاحات ملحوظة، وأرجع الخبراء الأسباب لغياب الدراسات المحكمة والإحصائيات الدقيقة والخطط طويلة المدى، آخر المحاولات كان إعداد الوثيقة القومية لإستراتيجية خفض الفقر، تغطي فترة خمس سنوات اعتباراً من عام 2019، وشرعت في استقطاب الدعم من شركاء التنمية والمانحين وإشراكهم في إعداد الوثيقة.

كما شرعت الحكومة وصندوق التضامن الإسلامي في دراسة لإنشاء صندوق التمكين الاقتصادي لإدماج الفقراء والشباب والشرائح الضعيفة في الاقتصاد الحقيقي.

السودان سلة غذاء

ودعا البرلمان في تلك الوثيقة إلى زيادة الاعتماد المرصود لمشاريع وبرامج الحد من الفقر، عبر الموازنة العامة للدولة والبحث عن قروض ميسرة عبر مؤسسات التمويل الدولية والاستثمارات، وتوسيع تجربة التعاونيات ووضع السياسات اللازمة للتعدين التقليدي وربط الطرق، وتخفيف تعرفة المواصلات وتفعيل مصادر مكافحة الفقر من الزكاة والضمان الاجتماعي، وزيادة الرواتب ودعم الأسر ومكافحة الفساد، وإعداد إحصائيات للأسر الفقيرة ودعم الصندوق القومي لرعاية الطلاب وتنفيذ مجانية التعليم.

ولكن، حتى هذه الإستراتيجية سرعان ما تلقت صدمات مدمّرة كانت الأولى برفض شعبي واسع لرفع الدعم عن المحروقات والسلع الذي كان من الأعمدة الأساسية للوثيقة.

فشل حكومي.. واستمرار للأزمة

السودان سلة غذاء

وجاء الرفض، بحسب المراقبين، بسبب المعالجات الاقتصادية التي لم تُطبّق بشكل صحيح بالإضافة إلى مخاوف الفقراء جراء سياسة رفع الدعم، والثانية كانت تتمثل في ضعف الصرف الحكومي على مشاريع الحد من الفقر.

وأعلن وزير المالية السوداني الشّروع في إعداد إستراتيجية شاملة لخفض معدلات الفقر في البلاد، بالتعاون مع البنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي، متوقعاً زيادة نسبة الصرف على مشاريع الحد من الفقر بعد إجازة هذه الإستراتيجية.

الحكومة تشرك المصارف لمحاربة الفقر

اختبرت الدولة السودانية العديد من البرامج لمحاربة الفقر، من بينها الدعم المباشر للفقراء من خلال الزكاة ومن خلال وزارة الضمان الاجتماعي، وكذلك من خلال مشروع التأمين الصحي ومشاريع التمويل الأصغر مع البنك المركزي الذي ألزم المصارف بتحديد نسبة 12%  لبرامج التمويل الأصغر كحد أدنى،  فضلاً عن  الاهتمام بالسكن باعتباره يمثل 30% من حاجات ودخل المواطن، فتم تنفيذ برنامج السكن الشعبي.

كذلك طرحت برامج لمحاربة البطالة التي بلغت 28%، من بينها برنامج توظيف الشباب وتشغيل الخريجين يستهدف 297 ألف خريج بجانب تخصيص 10% من السقوف الائتمانية للمصارف لتمويل صغار المنتجين.

الحكومة تحاول امتصاص الغضب الشعبي بزيادة "الدعم"

السودان سلة غذاء

أصحاب المطاحن والشركات والمخابز طالبوا الحكومة أكثر من مرة بإعادة هيكلة الدعم الحكومي المقدم لسلعة الدقيق، الذي يصل إلى نحو 300 مليون دولار سنوياً، وذلك لإنهاء الأزمات المتلاحقة في هذه السلعة الإستراتيجية.

وأعلن الشركاء عن خطة وبرنامج للحل الجذري لأزمة الخبز التي تلاحق البلاد منذ سنين، مؤكدين أن الخاسر الأول هو المواطن السوداني، الذي خصص له هذا الدعم، الذي يذهب لغير المستحقين من الأجانب، ويهرب بكميات كبيرة إلى الدول المجاورة، وتستفيد منه شركات الطعام.

وفيما يطالب اتحادا أصحاب المطاحن والمخابز، برفع يد الدولة عن تجارة الدقيق وتحرير سعره، باعتباره الحل الجذري والأمثل لمشكلة الخبز التي عاني منها المواطن السوداني طيلة الأعوام الماضية، إلا أن الأزمة مستمرة.

وبالتدريج، تحطمت "سلة غذاء العالم" -لقب السودان قديمًا- بل أصبح الشعب على شفا مجاعة طاحنة، ويطالب العالم بإطعامه، فإلى متى تستمر الأزمة؟