صدمة النفط من حرب إيران تهز اقتصادات جنوب شرق آسيا وتفاقم أعباء الفقراء
صدمة النفط من حرب إيران تهز اقتصادات جنوب شرق آسيا وتفاقم أعباء الفقراء
تعيش دول جنوب شرق آسيا حالة من الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، في أعقاب الحرب الدائرة مع إيران وما تبعها من تأثيرات على حركة الطاقة العالمية، خصوصًا عبر مضيق هرمز الذي يمثل شريانًا أساسيًا لإمدادات الطاقة المتجهة إلى هذه المنطقة.
وبحسب ما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، فقد انعكست هذه الصدمة النفطية سريعًا على حياة ملايين الأشخاص في المنطقة التي تضم أكثر من 600 مليون نسمة، حيث أدى ارتفاع الأسعار إلى تعطيل أنشطة اقتصادية رئيسية وإثارة موجة من السخط الشعبي، في وقت تحاول فيه الحكومات البحث عن حلول سريعة وسط نقص في الاحتياطيات النفطية وخطط الطوارئ طويلة المدى.
ارتفاع الوقود يشل أنشطة الصيد والنقل
في ميناء بوسط تايلاند، ظل قارب صيد الروبيان الذي يحمل اسم لاكي بليسنج راسيًا طوال الشهر دون أن يغادر الرصيف. ويقول مالكه ويتايا ليكدي، الذي عمل في البحر لأكثر من ثلاثين عامًا، إنه لم يعد قادرًا على تحمل تكلفة الوقود بعد ارتفاع سعره بنحو 75 في المئة.
ويؤكد أن الوضع الحالي هو الأسوأ منذ بدأ العمل في الصيد، إذ أصبح تشغيل القارب مكلفًا بشكل يفوق قدرته المالية.
وبالقرب من أكبر ميناء للمياه العميقة في تايلاند في منطقة ليم تشابانغ، جلس سائق شاحنة يدعى براييون سريسوات بجوار قافلة من الشاحنات المتوقفة في إطار احتجاجات على ارتفاع أسعار الوقود، ويقول إن دخله انخفض إلى النصف خلال الأيام الأخيرة.
وفي الفلبين، اضطر الصياد ريتشارد أركانا البالغ من العمر 48 عامًا إلى التفكير في البحث عن وظيفة أخرى بعد أن أصبح استمرار عمله في الصيد غير ممكن بسبب ارتفاع تكاليف الوقود.
أزمة وقود تضرب دولًا عدة في المنطقة
تسببت صدمة النفط الناتجة عن الحرب في إيران في أزمة واسعة النطاق في عدد من دول جنوب شرق آسيا.
ففي الفلبين بدأت الحكومة تقديم دعم نقدي يعادل نحو 84 دولاراً لعشرات الآلاف من سائقي الدراجات النارية ثلاثية العجلات وحافلات النقل الصغيرة في العاصمة مانيلا.
أما في لاوس، وهي دولة غير ساحلية تعتمد على استيراد الوقود من تايلاند، فقد أغلقت أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود بعد نفاد الإمدادات. وفي كمبوديا، التي تستورد الوقود من تايلاند وفيتنام، أغلقت قرابة ثلث محطات الوقود أبوابها أيضًا بسبب نقص الإمدادات.
إجراءات تقشفية لمواجهة أزمة الطاقة
اضطرت حكومات المنطقة إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الطارئة للتعامل مع الأزمة. ففي فيتنام شجعت الحكومة الموظفين غير الأساسيين على العمل من المنازل لتقليل استهلاك الطاقة.
وفي تايلاند بدأ رئيس الوزراء ارتداء قمصان قصيرة الأكمام في خطوة رمزية لتقليل استخدام أجهزة التكييف في المكاتب الحكومية، التي تم ضبطها على درجات حرارة أعلى. كما طُلب من الموظفين الحكوميين في تايلاند والفلبين استخدام السلالم بدلاً من المصاعد.
وفي لاوس خفّضت السلطات أيام الدراسة الحضورية في المدارس من خمسة أيام إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا لتقليل استهلاك الوقود والطاقة.
اعتماد كبير على النفط القادم عبر مضيق هرمز
تعتمد دول جنوب شرق آسيا بشكل كبير على النفط القادم من الخليج العربي. وتشير التقديرات إلى أن نحو 80 في المائة من واردات النفط الخام في المنطقة تأتي من دول الخليج، بينما يمر ربع وارداتها من الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز.
ويشكل هذا الاعتماد الكبير تحدياً كبيراً في ظل محدودية الاحتياطيات النفطي لدى هذه الدول. فبينما تمتلك اليابان وكوريا الجنوبية مخزونات تكفي لأكثر من 200 يوم، تمتلك إندونيسيا وفيتنام احتياطيات تكفي نحو 20 إلى 23 يومًا فقط، بينما تمتلك ميانمار مخزونًا يكفي 40 يومًا، وكانت تايلاند تمتلك حتى وقت قريب احتياطيًا يكفي 60 يومًا فقط.
حكومات تبحث عن حلول وسط نقص الخيارات
مع تفاقم الأزمة، بدأت الحكومات اتخاذ خطوات عاجلة لمحاولة الحد من تأثير ارتفاع الأسعار. ففي فيتنام لجأت الحكومة إلى صندوق دعم حكومي للوقود، حيث ارتفع سعر الكيروسين بنسبة 84 في المئة منذ اندلاع الحرب.
وفي تايلاند فرضت السلطات سقفاً مؤقتًا لمدة 15 يومًا لأسعار الديزل، كما طلبت من شركات الوقود زيادة احتياطياتها إلى 3 في المائة من حجم التجارة السنوية بدلًا من 1 في المائة. إلا أن هذه الإجراءات أدت إلى موجة شراء بدافع الذعر واصطفاف طوابير طويلة أمام محطات الوقود.
كما أعلنت الحكومة التايلاندية توقيع عقود جديدة لاستيراد النفط من أنغولا والولايات المتحدة، لكنها أقرت في الوقت ذاته بأنها لم تعد قادرة على دعم الأسعار عبر صندوق النفط الحكومي.
وقال نائب رئيس الوزراء التايلاندي فيفات راتشاكيتبراكارن إن الحكومة ليست راضية عن الوضع الحالي وتكاد تنفد أفكارها في مواجهة الأزمة.
تأثيرات واسعة على الصناعات والزراعة
امتدت تداعيات الأزمة إلى قطاعات اقتصادية رئيسة في المنطقة، مثل صناعة المأكولات البحرية والزراعة وصناعة أغذية الحيوانات الأليفة في تايلاند، إضافة إلى قطاع القهوة في فيتنام.
فقد ارتفعت أسعار المواد البلاستيكية المستخدمة في التعبئة والتغليف بنسبة تراوحت بين 30 و40 في المائة، نظرًا لاعتماد إنتاجها على النفط. كما ارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 15 في المائة، ما أدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي.
وفي فيتنام، قالت كام ثي مون، رئيسة تعاونية قهوة في مقاطعة سون لا الجبلية، إن أسعار الأسمدة ارتفعت بنحو 30 في المائة خلال أسبوعين فقط، الأمر الذي يثير مخاوف كبيرة لدى المزارعين.
الفئات الفقيرة الأكثر تضررًا
على الأرض، تتحمل الفئات ذات الدخل المحدود العبء الأكبر للأزمة. ففي مجتمع صيد صغير جنوب مانيلا، قالت لينيتا بوينافينتورا إن زوجها اضطر إلى ترك قارب العائلة والبحث عن عمل في مدينة أخرى بسبب ارتفاع أسعار الوقود.
وأضافت أنها تقيم حاليًا بشكل مؤقت مع إحدى صديقاتها بعدما أصبحت العائلة غير قادرة على دفع إيجار منزلها الصغير.
وأكدت أن العائلة كانت تفتخر بامتلاكها قارب صيد خاصًا، لكنها أصبحت الآن مضطرة للبحث عن أي فرصة عمل للبقاء على قيد الحياة.
وتعكس هذه القصص جانبًا من الأزمة المتفاقمة التي تضرب جنوب شرق آسيا، حيث يخشى كثيرون أن تستمر تداعيات صدمة النفط لفترة طويلة إذا استمر التوتر في الشرق الأوسط وارتفعت أسعار الطاقة أكثر.

العرب مباشر
الكلمات