خبير سياسي: الإخوان يواصلون محاولات إعادة بناء نفوذهم السياسي بما يهدد استقرار دول المنطقة
خبير سياسي: الإخوان يواصلون محاولات إعادة بناء نفوذهم السياسي بما يهدد استقرار دول المنطقة
منذ تأسيس جماعة الإخوان عام 1928 على يد حسن البنا، ظل المشروع الذي طرحه التنظيم محل جدل واسع في الأوساط السياسية والفكرية، باعتباره لم يتعامل فقط مع فكرة الدعوة الدينية التقليدية، بل تجاوزها إلى بناء تنظيم ذي طابع سياسي واجتماعي ممتد، يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع وفق رؤية أيديولوجية خاصة.
وتقوم الفكرة المؤسسة للجماعة على مفهوم “الشمولية”، حيث لا يقتصر الدور على الجانب الدعوي، بل يمتد ليشمل السياسة والاقتصاد والتعليم والمجتمع، وهو ما منح التنظيم قدرة على التغلغل داخل بنى اجتماعية متعددة، وبناء شبكات نفوذ متوازية مع مؤسسات الدولة في عدد من الدول العربية.
ومع تطور مسار الجماعة، برزت تحولات فكرية وتنظيمية داخل بنيتها، خاصة مع كتابات سيد قطب في منتصف القرن العشرين، وعلى رأسها “معالم في الطريق”، الذي قدم قراءة أكثر حدة لمفاهيم المجتمع والدولة، وأثار نقاشًا واسعًا حول حدود العلاقة بين النص الديني والواقع السياسي، وما إذا كانت هذه الأطروحات قد ساهمت في إعادة تشكيل بعض التيارات الأكثر تشددًا داخل الإسلام السياسي.
وترى قراءات تحليلية، أن هذا التوجه الفكري اعتمد في بعض مستوياته على إعادة تفسير المفاهيم الدينية بمنطق يتجاوز السياقات التاريخية، وهو ما فتح الباب أمام قراءات متباينة، بعضها اعتبره تطورًا فكريًا، فيما رأى فيه آخرون انغلاقًا أيديولوجيًا أسهم في توتر العلاقة بين الجماعة والدولة في أكثر من سياق إقليمي.
وعلى المستوى التنظيمي، لم يقتصر حضور الإخوان على العمل الدعوي أو الاجتماعي، بل اتخذ في مراحل متعددة شكل مشروع سياسي يسعى إلى الوصول للسلطة أو التأثير في بنيتها، وهو ما أطلق عليه داخل أدبيات التنظيم مفهوم “التمكين”، الذي يهدف إلى بناء قاعدة نفوذ تدريجية داخل مؤسسات المجتمع والدولة.
هذا التوجه أدى في عدد من الدول إلى صدامات سياسية وأمنية، نتيجة تضارب الرؤى بين الدولة ومشروع التنظيم، خاصة في فترات التحول السياسي أو الأزمات الداخلية، حيث اعتبرت بعض الأنظمة أن هذا النموذج التنظيمي يشكل تحديًا مباشرًا لمفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها.
في سياق آخر، يلفت محللون إلى أن الجماعة، أو بعض الدوائر المرتبطة بها، دخلت في تقاطعات سياسية مع قوى إقليمية مختلفة، من بينها إيران، ضمن ما يوصف بأنه “تقاطعات براغماتية” تحكمها المصالح السياسية أكثر من وحدة المرجعية الفكرية، وهو ما أضاف طبقة جديدة من التعقيد على المشهد الإقليمي.
هذه العلاقات، بحسب قراءات سياسية، لا يمكن فصلها عن طبيعة الحركات العابرة للحدود التي تتحرك في مناطق رمادية بين الأيديولوجيا والسياسة، حيث تختلط الحسابات الاستراتيجية بالتحالفات المؤقتة، وتتحول فيها الحركات السياسية إلى أدوات تأثير غير تقليدية داخل الإقليم.
ويشير مراقبون إلى أن الإخوان اليوم يقفون أمام إشكالية مركبة، تتعلق بإعادة تعريف دورهم في ظل تغيرات إقليمية عميقة، وتراجع مساحات العمل السياسي التقليدي، إلى جانب استمرار الجدل حول إرثهم الفكري والتنظيمي، وحدود تأثير هذا الإرث على استقرار الدول الوطنية.
وفي المحصلة، يبقى التنظيم محل نقاش مستمر بين من يراه حركة سياسية ذات امتداد اجتماعي وفكري واسع، وبين من يعتبره مشروعًا أيديولوجيًا معقدًا أعاد تشكيل نفسه عبر العقود، دون أن يحسم موقعه النهائي داخل الخريطة السياسية في المنطقة.
وقال الدكتور طارق البشبيشي، الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية: إن التنظيم الإخواني منذ تأسيسه اعتمد على بناء مشروع يتجاوز حدود الدولة الوطنية، قائم على فكرة التنظيم العابر للحدود وليس العمل السياسي المحلي التقليدي فقط، وهو ما جعله في حالة تمدد مستمر داخل أكثر من ساحة إقليمية.
وأوضح البشبيشي للعرب مباشر، أن البنية الفكرية للجماعة قامت على الدمج بين الدعوي والسياسي والتنظيمي، بما أتاح لها القدرة على التحرك داخل المجتمعات عبر شبكات اجتماعية وخدمية، في مقابل بناء نفوذ موازٍ لمؤسسات الدولة في بعض الحالات، وهو ما خلق حالة من التداخل بين العمل الاجتماعي والعمل السياسي.
وأشار إلى أن التحولات الفكرية داخل التنظيم، خاصة مع مرحلة سيد قطب، أسهمت في إعادة صياغة بعض المفاهيم المتعلقة بالعلاقة بين الدولة والمجتمع، ما انعكس لاحقًا على ظهور تيارات أكثر حدة داخل بعض الأجنحة المرتبطة بالفكر الإخواني، مع استمرار الجدل حول تفسير هذه المرحلة وتأثيرها.

العرب مباشر
الكلمات