محلل سياسي تونسي: تفكيك ملفات ما بعد 2011 خطوة لإعادة ضبط مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون

محلل سياسي تونسي: تفكيك ملفات ما بعد 2011 خطوة لإعادة ضبط مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون

محلل سياسي تونسي: تفكيك ملفات ما بعد 2011 خطوة لإعادة ضبط مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون
حركة النهضة

تتواصل في تونس فصول تفكيك ما يوصف بالإرث الثقيل الذي خلفته حركة النهضة داخل مؤسسات الدولة، مع اتساع نطاق الملفات القضائية المرتبطة بالتجنيس المشبوه، والاختراق الإداري، واستغلال النفوذ خلال سنوات حكم الحركة.


وفي هذا السياق، أصدرت محكمة تونسية أحكامًا بالسجن في ما يُعرف بقضية “بيع الجنسية”، والتي تتعلق بمنح جوازات سفر تونسية لأجانب يشتبه في ارتباط بعضهم بملفات ذات طابع أمني وإرهابي، وفق ما نقلته صحيفة “عكاظ”. وقضت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالسجن 20 عامًا بحق القيادي نور الدين البحيري وفتحي البلدي، فيما صدر حكم غيابي بالسجن 30 عامًا مع النفاذ العاجل بحق معاذ الغنوشي، نجل زعيم الحركة راشد الغنوشي.


وتعيد هذه القضية إلى الواجهة واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد التونسي خلال السنوات الماضية، والمتعلقة بتهم استغلال أجهزة الدولة في منح الجنسية ووثائق الهوية بطريقة غير قانونية، بما في ذلك حالات يشتبه في ارتباطها بأشخاص أجانب.


ووفق معطيات متداولة، كانت السلطات التونسية قد فتحت منذ نوفمبر 2022 تحقيقات شملت عددًا من المشتبه بهم، من بينهم موظفون في وزارات الداخلية والخارجية والعدل، على خلفية شبهات تتعلق بمنح الجنسية وبطاقات الهوية وجوازات السفر لسوريين، يُرجح أن بعضهم مرتبط بملفات ذات طابع أمني.


ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس حجم الاختراق الذي شهدته بعض مؤسسات الدولة خلال فترات سابقة، حيث جرى توظيف النفوذ السياسي والإداري في ملفات شديدة الحساسية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول آليات الرقابة والحوكمة داخل الجهاز الإداري.


كما تشير تحليلات سياسية إلى أن القضية لا تقتصر على مخالفات فردية، بل ترتبط بشبهات أوسع تتعلق بوجود شبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة استُخدمت في تمرير قرارات ووثائق سيادية لأطراف خارجية، ما اعتبره البعض تهديدًا مباشرًا للأمن القومي التونسي.


وتبرز في هذا الملف أسماء سياسية بارزة، من بينها نور الدين البحيري، الذي شغل مناصب وزارية خلال فترة حكم حركة النهضة، ويواجه اتهامات تتعلق بمنح الجنسية لأشخاص مطلوبين في قضايا أمنية، إضافة إلى شبهات مرتبطة بملفات سياسية أخرى، وفق ما تتداوله تقارير إعلامية.


وتستمر القضية في إثارة جدل واسع داخل الأوساط السياسية والقضائية في تونس، في ظل توقعات بمزيد من التطورات مع استمرار التحقيقات وامتدادها إلى ملفات أخرى مرتبطة بفترة حكم الحركة.


وقال المحلل السياسي التونسي د. عبد الحميد الجلاصي إن ما تشهده تونس من تحركات قضائية مرتبطة بملفات التجنيس واستغلال النفوذ داخل مؤسسات الدولة يعكس مرحلة إعادة تقييم شاملة لفترة ما بعد 2011، في ظل تصاعد الجدل حول أداء بعض المؤسسات خلال تلك المرحلة.


وأوضح الجلاصي للعرب مباشر أن فتح هذه الملفات أمام القضاء لا يمكن النظر إليه بمعزل عن السياق العام الذي مرت به البلاد، حيث شهدت مؤسسات الدولة آنذاك حالة من إعادة التشكل السريع، ما أفرز في بعض الحالات ثغرات إدارية وقانونية استُغلت في تمرير قرارات حساسة.


وأضاف أن التحقيقات الجارية في ملفات تتعلق بمنح الجنسية ووثائق الهوية تندرج ضمن جهود الدولة لتعزيز الرقابة على مسارات اتخاذ القرار داخل الوزارات السيادية، مشيرًا إلى أن هذه القضايا تعكس أهمية تدقيق الإجراءات الإدارية وضمان عدم استغلال السلطة في أي اتجاه خارج الإطار القانوني.


وأشار المحلل السياسي إلى أن استمرار هذا النوع من القضايا أمام القضاء يعكس توجهًا واضحًا نحو ترسيخ مبدأ المحاسبة، حتى في الملفات التي تعود لسنوات سابقة، مؤكدًا أن ذلك يمثل اختبارًا حقيقيًا لمؤسسات العدالة في تونس.


وشدد على أن معالجة هذه المرحلة تتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على المسار القضائي فقط، بل تشمل إصلاحات إدارية وتشريعية تهدف إلى منع تكرار أي اختراقات مستقبلية داخل مؤسسات الدولة، وتعزيز الشفافية في إدارة الملفات السيادية.


واختتم بأن تونس تمر بمرحلة دقيقة من إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وأن نجاح هذا المسار مرتبط بقدرة المؤسسات على الموازنة بين المحاسبة والاستقرار، بعيدًا عن التوظيف السياسي للملفات القضائية.