محلل سياسي سوداني: استمرار الحرب يكرّس اقتصاد الاستنزاف ويعمّق تدهور مؤسسات الدولة
محلل سياسي سوداني: استمرار الحرب يكرّس اقتصاد الاستنزاف ويعمّق تدهور مؤسسات الدولة
في ظل تصاعد الأزمة الإنسانية والاقتصادية في السودان، تتزايد التحذيرات من تداعيات استمرار الحرب على بنية الدولة ومقدراتها، وسط تقارير وتحليلات تتناول التحولات العميقة التي طرأت على إدارة الموارد العامة خلال الفترة الأخيرة.
وتشير تقديرات صادرة عن مراقبين اقتصاديين ومصادر ميدانية إلى أن الدولة السودانية تواجه ما يوصف بـ”اقتصاد حرب” ممتد، حيث تُعاد هيكلة الأولويات المالية بشكل يضع الإنفاق العسكري في صدارة المشهد، على حساب قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تراجع مستوى المعيشة وارتفاع معدلات التضخم وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين.
وبحسب هذه القراءات، فإن جزءًا كبيرًا من الإيرادات العامة والموارد السيادية بات يُوجَّه نحو تغطية النفقات العسكرية المرتبطة باستمرار العمليات القتالية، في وقت تعاني فيه مؤسسات الدولة من شح حاد في التمويل، وتدهور في البنية التحتية، وتعطل واسع في الخدمات الحيوية داخل عدد من الولايات.
وفي السياق السياسي، تربط بعض التحليلات بين هذا النمط من الإدارة الاقتصادية وبين تداخلات داخل مراكز القرار، مشيرة إلى وجود تأثيرات لرموز مرتبطة بالنظام السابق ودوائر سياسية وإدارية كانت فاعلة قبل التغيير السياسي في البلاد، من دون وجود تأكيدات مستقلة أو وثائق رسمية تثبت حجم هذا التأثير أو طبيعته.
كما تُطرح في بعض التقارير إشارات إلى دور محتمل لشخصيات محسوبة على التيار الإسلامي السياسي أو ما يُعرف بـ”الحركة الإسلامية”، في إدارة أو توجيه بعض الملفات الاقتصادية المرتبطة بالدولة خلال الحرب، إلا أن هذه الطروحات تبقى محل جدل واسع بين محللين ينقسمون بين من يراها قراءة سياسية للأحداث، ومن يعتبرها اتهامات غير مثبتة تحتاج إلى تحقيقات مستقلة وشفافة.
وعلى الصعيد الإنساني، تواصل المنظمات الدولية التحذير من تدهور الأوضاع المعيشية، حيث يواجه ملايين السودانيين نقصًا حادًا في الغذاء والدواء، إلى جانب موجات نزوح متكررة نتيجة اتساع نطاق العمليات العسكرية، وتضرر واسع في المرافق المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء.
ويرى خبراء، أن استمرار تحويل الموارد نحو المجهود الحربي دون وجود أفق سياسي واضح لإنهاء الصراع قد يؤدي إلى تعميق الأزمة الاقتصادية، وإطالة أمد الانهيار المؤسسي، ما يضع البلاد أمام تحديات طويلة الأمد تتعلق بإعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار المالي والإداري.
وفي المقابل، تتصاعد الدعوات من قوى سياسية ومدنية بضرورة وقف الحرب وفتح مسار سياسي شامل، يتضمن ترتيبات انتقالية جديدة، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وتفعيل آليات المساءلة والشفافية، لضمان عدم تكرار دوائر الصراع واستنزاف الموارد.
وبين تضارب الروايات السياسية وتعقيدات المشهد الميداني، يبقى الوضع في السودان مرهونًا بتطورات الصراع العسكري، ومدى قدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى تسوية تنهي الأزمة وتعيد توجيه الموارد نحو مسار التعافي الاقتصادي والإنساني.
قال المحلل السياسي السوداني د. محمد عبدالله: إن السودان يمر بمرحلة “شديدة الحساسية” في ظل استمرار الحرب وتوسع تداعياتها على مختلف مستويات الدولة، معتبرًا أن غياب الحسم العسكري أو التوافق السياسي يعمّق من حالة الاستنزاف التي تعيشها البلاد.
وأوضح د. محمد عبدالله، في تصريحات للعرب مباشر، أن المشهد الحالي يعكس تحولًا خطيرًا نحو اقتصاد يهيمن عليه الإنفاق العسكري على حساب القطاعات الإنتاجية والخدمية، ما أدى إلى تراجع واضح في أداء مؤسسات الدولة، وارتفاع معدلات التضخم، وتدهور قيمة العملة الوطنية بشكل غير مسبوق.
وأشار إلى أن استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة أدى إلى إنهاك البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، خصوصًا في مجالات الصحة والتعليم والإمدادات الغذائية، الأمر الذي فاقم من الأزمة الإنسانية ودفع ملايين المواطنين نحو أوضاع معيشية صعبة.
وأضاف المحلل السوداني، أن الأزمة لا يمكن اختزالها في بعدها العسكري فقط، بل تمتد إلى أزمة حكم وإدارة تتعلق بتعدد مراكز القرار وغياب مشروع وطني جامع، مؤكدًا أن هذا التشتت السياسي يعيق أي جهود جادة للاستقرار أو إعادة الإعمار.
وشدد د. محمد عبدالله على أن أي معالجة حقيقية للأوضاع الراهنة تتطلب وقفًا شاملًا لإطلاق النار، يليه إطلاق عملية سياسية شاملة تضم كل الأطراف دون إقصاء، إلى جانب إعادة هيكلة مؤسسات الدولة على أسس مهنية تضمن الشفافية والرقابة الفعالة.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن استمرار الوضع الحالي دون حلول سياسية عاجلة سيؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي، ويجعل من عملية التعافي في السودان أكثر تعقيدًا وطولًا في المدى المنظور.

العرب مباشر
الكلمات