وريث محتمل ومنفى أبدي.. من هو رفعت الأسد رمز العنف المنظم في سوريا
وريث محتمل ومنفى أبدي.. من هو رفعت الأسد رمز العنف المنظم في سوريا
لم يكن خبر وفاة رفعت الأسد حدثًا عاديًا في الذاكرة السورية، فالرجل لم يكن مجرد قريب لرأس النظام، بل أحد أبرز مهندسي العنف المنظم في تاريخ الدولة الحديثة، باسمه ارتبطت أكثر الصفحات سوداوية في سجل السلطة، وعلى رأسها مأساة حماة عام 1982، التي تحولت إلى رمز دائم للقمع بلا سقف.
برحيله، يعود سؤال قديم إلى الواجهة، كيف صعد هذا الرجل من قرية معزولة في الساحل إلى قمة هرم القوة، وكيف انتهى منفيًا مطاردًا بالأحكام القضائية، قبل أن يعود في شيخوخته إلى حضن النظام الذي ساهم في بنائه.
قصة رفعت الأسد ليست مجرد سيرة شخصية، بل مرآة مكثفة لبنية الحكم في سوريا، حيث تتقاطع العائلة مع الجيش، ويصبح الأمن لغة السياسة الوحيدة. في مساره تختصر تحولات السلطة من الانقلاب إلى الدولة الأمنية، ومن الحكم المطلق إلى الانهيار البطيء الذي بدأ عام 2011.
الميلاد والنشأة
وُلد رفعت الأسد عام 1937 في القرداحة، القرية التي تحولت لاحقًا إلى مركز رمزي للسلطة. نشأ في بيئة ريفية فقيرة، قبل أن يشق طريقه عبر المؤسسة العسكرية وحزب البعث، منضمًا إلى الحزب في سن مبكرة، ومشاركًا في الحراك الانقلابي الذي مهّد لوصول البعث إلى الحكم عام 1963.
داخل الجيش، لم يكن مجرد ضابط تقليدي؛ بل كان جزءًا من النواة الصلبة التي التفّت حول حافظ الأسد، وشكّلت لاحقًا العمود الفقري للنظام.
في حرب عام 1967، قاد وحدة دبابات على جبهة القنيطرة، وهي تجربة رسخت حضوره العسكري، رغم الهزيمة القاسية التي أعادت رسم الجغرافيا السياسية لسوريا.
وبعد أن استولى حافظ الأسد على السلطة عام 1970، بدأ رفعت يخطو بسرعة نحو قلب القرار، مؤسسًا عام 1971 قوة “سرايا الدفاع”، التي لم تكن مجرد وحدة نخبوية، بل جيشًا موازيًا يدين بالولاء الشخصي لقائده.
تلك السرايا تحولت إلى أداة الردع القصوى للنظام، ومُنحت امتيازات غير مسبوقة في التسليح والنفوذ. وفي موازاة ذلك، أسس رفعت كيانات مدنية ذات طابع شبه عسكري، مثل “الرابطة العليا للخريجين”، وتولى مواقع حساسة في الدولة، بينها رئاسة مكتب التعليم العالي والمحكمة الدستورية، في تلك المرحلة، كان يُنظر إليه بوصفه “الرجل الثاني”، ووريثًا محتملًا للسلطة إذا غاب شقيقه.
جزار حماة
لكن الاسم الذي سيلازم رفعت الأسد إلى الأبد كُتب في شتاء 1982، عندما قاد حملة عسكرية واسعة لقمع تمرد في مدينة حماة، شارك عشرات الآلاف من الجنود في العملية، واستخدمت المدفعية الثقيلة داخل أحياء مكتظة بالسكان.
تقارير حقوقية قدّرت عدد الضحايا بعشرات الآلاف، مع تدمير أجزاء واسعة من المدينة القديمة، منذ ذلك التاريخ، التصق به لقب "جزار حماة"، وتحول إلى رمز للبطش المنهجي الذي يقوم عليه النظام.
لم تكن حماة مجرد عملية أمنية، بل لحظة تأسيسية لمرحلة جديدة من الحكم القائم على الردع الشامل. ومنذ ذلك الوقت، بات رفعت يمثل الوجه الأكثر قسوة في السلطة، حتى داخل العائلة نفسها، ومع مرض حافظ الأسد في الثمانينيات، حاول رفعت اختبار حدود قوته، ما أدى إلى صدام داخلي انتهى بإبعاده فعليًا عن مركز القرار، وإخراجه إلى المنفى المقنّع في أوروبا.
على مدى عقود، تنقّل رفعت بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا، محتفظًا بثروة هائلة وشبكة علاقات رمادية، وبعد وفاة حافظ الأسد عام 2000، بدا أنه يمنح بشار دعمًا أوليًا، قبل أن تتوتر العلاقة لاحقًا، خصوصًا مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حين انتقد رفعت علنًا إدارة ابن أخيه للأزمة.
غير أن هذا التباعد لم يدم طويلًا. ففي عام 2021، ظهر رفعت في السفارة السورية بباريس مشاركًا في التصويت بالانتخابات الرئاسية، ثم عاد إلى دمشق بعد سنوات المنفى، في مشهد حمل دلالة رمزية، النظام الذي لفظه يومًا، أعاده في لحظة ضعف، كجزء من إعادة لمّ شمل العائلة أمام عالم يتغير.
مهندس القمع
قضائيًا، لم تفلت مسيرته من المساءلة، ففي فرنسا، صدر حكم بسجنه أربع سنوات مع مصادرة ممتلكاته التي قُدّرت بعشرات الملايين من الدولارات، بعد إدانته بالاحتيال وغسل الأموال.
وفي بريطانيا، جُمّدت أصوله، ومنع من التصرف بعقارات فاخرة.
أما في إسبانيا، ففُتحت ملفات بحق أفراد من عائلته بتهم مماثلة، في حين طالت العقوبات الأوروبية نجله مضر بتهم تتعلق بالمخدرات وانتهاكات حقوق الإنسان.
عودة رفعت الأسد إلى سوريا في خريف 2021 بدت أقرب إلى خاتمة مغلقة لرجل عاش بين السلطة والمنفى، صورة عائلية جمعته ببشار الأسد اختصرت مفارقة التاريخ، مهندس القمع القديم يعود إلى بيت السلطة التي ورثت أدواته، في بلد ما زال يدفع ثمن تلك الحقبة.
برحيل رفعت، لا تُغلق صفحة الماضي، بل يُعاد فتحها، فالرجل لم يكن استثناءً في نظامه، بل تجسيدًا له، وسيرته تذكير بأن العنف في سوريا لم يكن طارئًا، بل بنية مؤسسة، حملها جيل إلى جيل، حتى انفجرت البلاد تحت ثقلها.

العرب مباشر
الكلمات