دمشق تطوي صفحة الحكم الذاتي الكردي باتفاق هدنة دائمة في الشمال الشرقي

دمشق تطوي صفحة الحكم الذاتي الكردي باتفاق هدنة دائمة في الشمال الشرقي

دمشق تطوي صفحة الحكم الذاتي الكردي باتفاق هدنة دائمة في الشمال الشرقي
سوريا

توصلت الحكومة السورية والقوات الكردية إلى اتفاق يقضي بتحويل وقف إطلاق النار الهش إلى هدنة دائمة، في خطوة تؤسس لإطار سياسي وعسكري جديد يهدف إلى دمج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية، ووضع حد لما يقارب شهراً من الاشتباكات المتواصلة في شمال شرقي البلاد، وفقا لما نشرته صحيفة "الجارديان" البريطانية.


ويُنظر إلى الاتفاق، الذي أُعلن عنه يوم الجمعة، باعتباره محطة مفصلية ساهمت في احتواء التوترات المتصاعدة بين الطرفين بشأن مستقبل الحكم الذاتي الكردي في المنطقة، وفتحت الباب أمام انضمام قوات سوريا الديمقراطية إلى الجيش السوري الجديد عبر مسار تفاوضي، بدلاً من الحسم العسكري.

مكسب استراتيجي لدمشق 


يمثل هذا الاتفاق إنجازاً سياسياً وأمنياً لدمشق، التي تسعى منذ تولي القيادة الجديدة الحكم إلى بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية، بعد 14 عاماً من الانقسام بين قوى ومليشيات متعددة. 


وكانت قوات سوريا الديمقراطية تسيطر في وقت سابق على نحو ربع مساحة البلاد، إضافة إلى جميع الحقول النفطية الرئيسية، ما شكل تحدياً كبيراً لسلطة الدولة الناشئة.


وجاء الاتفاق عقب تقدم واسع للقوات الحكومية في شمال شرقي سوريا، مدعومة بعناصر عربية وقبلية، ما أدى إلى تقليص المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية بنحو 80 في المئة. 
وفي حين انسحبت القوات الكردية بشكل أساسي من المناطق ذات الغالبية العربية، كانت تستعد للدفاع عن المدن ذات الغالبية الكردية قبل التوصل إلى الاتفاق.

انسحابات متبادلة ودمج عسكري شامل


وبموجب الاتفاق، يلتزم الطرفان بسحب مقاتليهما من خطوط التماس في شمال شرقي سوريا، على أن تدخل قوات الأمن الحكومية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي، اللتين تعدان من أبرز معاقل الإدارة الكردية.


كما ينص الاتفاق على دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، إلى جانب استيعاب الدولة السورية للمؤسسات المدنية التابعة للإدارة الكردية، بما ينهي عملياً البنية الإدارية المستقلة التي كانت قائمة في المنطقة.

تشكيل لواء جديد وإنهاء الإدارة الذاتية


يقضي الاتفاق بتشكيل لواء عسكري جديد ضمن صفوف الجيش السوري، يضم ثلاثة ألوية من قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى وضع مقاتلي هذه القوات في مدينة حلب تحت القيادة المباشرة للحكومة السورية.


وعلى مدى نحو عقد من الزمن، عملت الإدارة الكردية كمنطقة حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع، تمتلك مؤسساتها الإدارية وقواتها المسلحة. إلا أن الاتفاق الأخير يقلص بشكل كبير من صلاحيات هذه الإدارة، ويستبدلها بحكم مركزي موحد تديره دمشق.

ضمانات للأكراد وحقوق مدنية


وفي محاولة لطمأنة الأكراد، الذين يُعدون من أكبر الأقليات العرقية في سوريا، تضمن الاتفاق بنوداً تتعلق بضمان الحقوق المدنية والتعليمية للسكان الأكراد، إضافة إلى التعهد بتسهيل عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية.


ويهدف الاتفاق، بحسب ما ورد في نصه، إلى توحيد الأراضي السورية وتحقيق اندماج كامل في المنطقة، عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة إعمار البلاد.

ترحيب أميركي ودور دولي فاعل


لاقى الاتفاق ترحيباً واسعاً من قبل المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، الذي لعب دوراً محورياً في الوساطة بين الطرفين على مدى الأسبوعين الماضيين، في مسعى لمنع اندلاع حرب شاملة في شمال شرقي سوريا.
واعتبر باراك أن الاتفاق يشكل محطة عميقة وتاريخية في مسار سوريا نحو الاستقرار، مشيراً إلى أنه جاء ثمرة مفاوضات دقيقة استندت إلى أطر سابقة وجهود مكثفة لخفض التصعيد، وتعكس التزاماً مشتركاً بمبادئ الشمول والاحترام المتبادل وكرامة جميع مكونات المجتمع السوري.

نهاية شبه كاملة لمشروع الحكم الذاتي الكردي


ويبدو أن اتفاق الجمعة جاء أكثر توازناً لصالح الإدارة الكردية مقارنة باتفاقات وقف إطلاق النار السابقة، ويُرجح أنه نتاج دبلوماسية مكثفة قادتها الولايات المتحدة وفرنسا، اللتان تحتفظان بعلاقات جيدة مع الطرفين.


وفي الوقت ذاته، يشير الاتفاق إلى نهاية شبه كاملة لمشروع الحكم الذاتي الكردي في شمال شرقي سوريا، ولكن من دون انزلاق واسع إلى العنف أو خسائر بشرية كبيرة، ما يجعله أحد أبرز التحولات السياسية والعسكرية في المشهد السوري خلال السنوات الأخيرة.