مضيق هرمز في مهب السياسة.. هل يتركه ترامب تحت سيطرة إيران؟
مضيق هرمز في مهب السياسة.. هل يتركه ترامب تحت سيطرة إيران؟
يواجه الاقتصاد العالمي ضغوطًا متزايدة نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، وهو ما أدى إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة والمال، وفقًا لما نشرته شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
فقد قفزت أسعار البنزين ووقود الطائرات والديزل إلى مستويات مرتفعة بشكل حاد، في حين شهدت أسواق الأسهم تراجعات ملحوظة، وارتفعت احتمالات دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود.
ويأتي ذلك في ظل فشل الجهود المستمرة منذ أسابيع لإعادة فتح هذا الممر البحري الحيوي الواقع قبالة السواحل الإيرانية، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى طرح فكرة جديدة تقوم على الانسحاب من الأزمة وترك مهمة إعادة فتح المضيق للدول الأخرى.
ترامب يلوح بالانسحاب
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب -في تصريحات لصحيفة نيويورك بوست-: إن مضيق هرمز سيفتح تلقائيًا بعد خروج القوات الأمريكية من الحرب.
وأوضح ترامب، أن الدول التي تستخدم المضيق ينبغي أن تتحمل مسؤولية إعادة فتحه، مضيفًا: أنه على تلك الدول أن تتولى هذه المهمة بنفسها.
وفي سياق متصل، أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن ترامب أبلغ مساعديه باستعداده لإنهاء الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران حتى إذا ظل مضيق هرمز مغلقًا إلى حد كبير.
كما كتب ترامب في منشور على منصة تروث سوشيال موجهًا حديثه للدول المستوردة للطاقة-، قائلاً: "اذهبوا واحصلوا على نفطكم بأنفسكم".
وعلى الرغم من ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى أربعة دولارات للغالون للمرة الأولى منذ عام 2022، أكد ترامب أن الأسعار ستنخفض قريبًا، مشيرًا إلى أن انسحاب الولايات المتحدة من إيران سيؤدي إلى تراجع الأسعار بشكل سريع.
خبراء الطاقة يشككون في جدوى الفكرة
في المقابل، يرى خبراء في أسواق الطاقة، أن إنهاء الحرب دون إعادة فتح مضيق هرمز لن يكون كافيًا لإنهاء أزمة الطاقة العالمية.
وقال دان بيكرينغ، مؤسس ومدير الاستثمار في شركة بيكرينغ إنرجي بارتنرز: إن هذه الفكرة تمثل خطوة سيئة للغاية، مشيراً إلى أن الانسحاب دون حل مشكلة المضيق يعني ترك أزمة أكبر في المستقبل.
وأوضح، أن مثل هذا القرار قد يؤدي إلى انخفاض مؤقت في أسعار النفط، لكنه قد يتسبب في المدى الطويل بارتفاع أكبر في الأسعار إذا تُرك المضيق تحت سيطرة إيران.
مخاوف من سيطرة إيران على الممر
ومن جانبه، قال باتريك دي هان، رئيس تحليل النفط في شركة غاز بادي: إن الانسحاب الأمريكي من المضيق دون إعادة فتحه يعني عمليًا تسليم السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي لإيران.
وأضاف: أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل دائم، لأن إيران ستكون قادرة على استهداف السفن أو فرض رسوم مرور عليها.
وأكد أن مثل هذا التطور سيشكل فشلاً كارثيًا في إدارة الأزمة.
تكهنات حول أهداف التصريحات الأمريكية
ويرى بعض المحللين، أن طرح فكرة الانسحاب قد يكون محاولة من ترامب للضغط على الحلفاء من أجل زيادة مشاركتهم في جهود إعادة فتح المضيق.
كما لا يستبعد آخرون أن يكون ذلك مجرد مناورة سياسية أو خطوة تمهيدية قبل احتمال تنفيذ عملية عسكرية برية أمريكية.
وفي المقابل، قلل بعض المستثمرين من أهمية هذه التصريحات، حيث اعتبر آرت هوغان، كبير استراتيجيي الأسواق في شركة بي رايلي فايننشال، أن هذه التصريحات تبدو أقرب إلى رد فعل انفعالي وليس خطة اقتصادية أو عسكرية متكاملة.
تعطل الإمدادات الأكبر في تاريخ سوق النفط
يشير خبراء سوق النفط إلى أن الأزمة الحالية تمثل أكبر اضطراب في الإمدادات النفطية على الإطلاق.
ويمر عبر مضيق هرمز عادة نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية، ما يجعل استمرار إغلاقه خطرًا مباشرًا على استقرار الاقتصاد العالمي.
وأكد المحللون، أن معالجة الأزمة تتطلب بالضرورة إعادة فتح المضيق، إذ لا يمكن تجاهل تأثير هذا الممر الحيوي على الاقتصاد العالمي.
الولايات المتحدة ليست بمعزل عن الأزمة
ورغم أن الولايات المتحدة أقل اعتمادًا على نفط الشرق الأوسط مقارنة بدول آسيا وأوروبا، إلا أنها ليست بمنأى عن تأثيرات الأزمة.
ويرجع ذلك جزئيًا إلى كون الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، حيث بلغ إنتاجها مستوى قياسيًا بلغ 13.6 مليون برميل يوميًا خلال العام الماضي.
ومع ذلك، فإن أسعار الطاقة في الولايات المتحدة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأسعار العالمية، ما يعني أن أي اضطراب في الإمدادات العالمية ينعكس مباشرة على أسعار الوقود داخل البلاد.
الاقتصاد الأمريكي يعتمد أيضًا على النفط المستورد
لا تعتمد المصافي الأمريكية على النفط المحلي فقط لإنتاج البنزين ووقود الطائرات والديزل وغيرها من المنتجات النفطية.
فغالبًا ما تقوم هذه المصافي بخلط النفط الأمريكي الخفيف مع أنواع أثقل من النفط المستورد من الخارج لتحقيق التوازن في عمليات التكرير.
ولهذا تستورد الولايات المتحدة يوميًا مئات الآلاف من براميل النفط من الخارج، خصوصًا عبر السواحل الشرقية والغربية.
كما تستورد البلاد كميات كبيرة من المنتجات النفطية مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات لتلبية الطلب المحلي المرتفع.
وأشار خبراء إلى أن مناطق مثل كاليفورنيا ومنطقة نيويورك تعتمد بشكل كبير على واردات الوقود، ما يعني أنها قد تواجه نقصًا في الإمدادات إذا بدأت آسيا وأوروبا في مواجهة هذه الأزمة أولاً.
ارتفاع الطلب العالمي على النفط الأمريكي
في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، فمن المرجح أن تتجه الدول المستوردة في آسيا وأوروبا إلى زيادة اعتمادها على النفط الأمريكي.
وقد تم رفع الحظر المفروض على تصدير النفط الأمريكي إلى الخارج في عام 2015، وهو ما أدى إلى ارتفاع صادرات النفط الأمريكية من نحو 400 ألف برميل يوميًا آنذاك إلى حوالي أربعة ملايين برميل يوميًا حاليًا.
لكن المحللين يحذرون من أن زيادة الطلب العالمي على النفط الأمريكي قد تؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة نفسها.
وأوضح خبراء، أن شركات النفط الأمريكية لن تتردد في بيع إنتاجها للدول الأجنبية إذا كانت الأسعار أفضل، حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار في السوق المحلية.
مخاطر جيوسياسية تدفع الأسعار للارتفاع
وفي حال استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، سيظل المستثمرون ينظرون إلى هذا الممر البحري باعتباره منطقة خطرة وغير مستقرة.
ولهذا سيطالب المستثمرون بعلاوة مخاطر جيوسياسية إضافية لتعويض احتمال وقوع هجمات أو اضطرابات جديدة، وهو ما سيؤدي إلى استمرار الضغوط التصاعدية على أسعار الطاقة حول العالم.
تهديدات أمريكية باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية
وكان ترامب قد أشار -في وقت سابق- إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل أولوية رئيسية للولايات المتحدة.
وفي منشور على منصة تروث سوشيال، حذر من أنه في حال لم يتم فتح المضيق فورًا أمام الملاحة، فإن الولايات المتحدة قد تنهي وجودها في إيران عبر تدمير محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج النفطية وربما أيضاً محطات تحلية المياه.
الأزمة لن تنتهي دون فتح المضيق
ويرى خبراء الطاقة، أن انسحاب الولايات المتحدة من الأزمة وترك المضيق تحت سيطرة إيران قد يؤدي إلى انخفاض مؤقت في أسعار النفط، لكنه لن ينهي الأزمة.
وأكد محللون، أن أي إعلان للنصر لن يغير من حقيقة أن استمرار إغلاق المضيق سيبقي الأزمة الاقتصادية قائمة.
ويحذر الخبراء من أن تجاهل تأثير مضيق هرمز قد يؤدي إلى استمرار الضغوط الاقتصادية على المستهلكين حول العالم.
وخلاصة الأمر، أن الأزمة لن تجد طريقها إلى الحل الحقيقي إلا بإعادة فتح هذا الممر البحري الحيوي، لأن استمرار إغلاقه يعني أن تداعيات الأزمة ستستمر في التفاقم على الاقتصاد العالمي.

العرب مباشر
الكلمات