أزمة الوقود العالمية تشعل العنف في آسيا مع اتساع تداعيات الحرب على إيران

أزمة الوقود العالمية تشعل العنف في آسيا مع اتساع تداعيات الحرب على إيران

أزمة الوقود العالمية تشعل العنف في آسيا مع اتساع تداعيات الحرب على إيران
أزمة طاقة

بدأت أزمات الوقود الحادة في عدد من الدول الآسيوية في إشعال موجة من العنف والاضطرابات، في تطور جديد يعكس التداعيات المتسارعة للحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. 

ومع اتساع تأثيرات الحرب على أسواق الطاقة العالمية، تواجه العديد من المجتمعات ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في عدة دول، وفقًا لما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.

سرقات الوقود وأعمال عنف في بنجلاديش

في بنجلاديش، كشفت جمعية تمثل أصحاب محطات الوقود، أن عصابات غير قانونية باتت تسرق الوقود ليلاً وتهاجم مركبات النقل لتخزين الإمدادات. 

وأفادت السلطات، بأن عمال محطات الوقود في بنجلاديش وكذلك في الهند المجاورة وباكستان القريبة قتلوا في حوادث سرقة وقود أو اعتداءات عنيفة بسبب نقص الإمدادات.

وفي الفلبين، خرج آلاف العاملين في قطاع النقل الأسبوع الماضي في إضراب احتجاجًا على الارتفاع الكبير في أسعار الديزل.

وقال راشد المأمون تيتومير، مستشار رئيس وزراء بنجلاديش: إن ما يحدث يمثل وضعًا غير مقبول، مؤكدًا أن الأزمة الحالية تعكس غياب تحرك دولي فعال لمعالجة تداعياتها، متسائلاً عن مكان الضمير العالمي لحل هذه الأزمة.

ضغوط مالية هائلة على حكومات آسيا

اضطرت حكومات عدة في آسيا إلى استنزاف احتياطاتها المالية لتعويض نقص واردات النفط والغاز القادمة من الشرق الأوسط، بعدما تعرضت هذه الإمدادات للتعطيل أو التدمير نتيجة رد إيران على الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية.

ولجأت العديد من الدول إلى شراء الطاقة بأسعار مرتفعة من السوق الفورية للحفاظ على استقرار الإمدادات، بينما تحملت الحكومات الجزء الأكبر من صدمة الأسعار عبر تقديم دعم حكومي واسع للطاقة.

لكن المحللين يحذرون من أن هذه الإجراءات قد لا تكون مستدامة في ظل الغموض الذي يحيط بالمفاوضات بين واشنطن وطهران، إضافة إلى المؤشرات على استعداد الولايات المتحدة لعملية غزو بري محتملة. 

ويرجح الخبراء أن تؤدي تقلبات أسعار النفط والغاز إلى ارتفاع تكاليف الغذاء والسلع الأساسية أو إلى نقصها في الأسواق.

علاقة ارتفاع أسعار الوقود بتصاعد العنف

تشير دراسات إلى أن الارتفاعات الحادة في أسعار الوقود غالباً ما تؤدي إلى اندلاع أعمال عنف داخل المجتمعات أو احتجاجات ضد الحكومات، خصوصًا عندما يتم تقليص الدعم الحكومي.

وقال إيديان صالحان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة نورث تكساس: إن استمرار أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل لفترة طويلة قد يؤدي إلى حالة مزمنة من عدم الاستقرار، خاصة إذا استمرت هذه الأسعار حتى شهري أبريل ومايو.

ورغم أن الدول الأكثر فقرًا هي الأكثر عرضة لهذه الاضطرابات، فإن الدول الغنية ليست بمنأى عنها. ففي أستراليا، ارتفعت سرقات الوقود بنسبة تصل إلى 50 في المئة في بعض المناطق، بينما شهدت فرنسا هذا الأسبوع إغلاق طرق رئيسية من قبل سائقي الشاحنات الذين طالبوا بدعم إضافي لتكاليف الوقود.

لكن الخطر الأكبر يظل في الدول ذات معدلات الفقر المرتفعة مثل بنجلاديش، حيث يعيش أكثر من ربع سكانها البالغ عددهم نحو 175 مليون نسمة تحت خط الفقر.

اعتماد كبير على الطاقة المستوردة

تعد بنجلاديش من أكثر دول العالم كثافة سكانية، وهي تستورد نحو 95 في المئة من احتياجاتها من الطاقة وتعتمد بشكل كبير على الشحنات التي تمر عبر مضيق هرمز، الممر البحري الضيق الذي تعطل بفعل الحرب.

ورغم أن الحكومة تمكنت إلى حد كبير من الحفاظ على استقرار الإمدادات، فإن عمليات الشراء بدافع الذعر والتخزين غير القانوني أدت إلى نفاد الوقود في العديد من المحطات.

وقال محمد نجم الحق، رئيس جمعية أصحاب محطات الوقود في بنجلاديش: إن طوابير السيارات امتدت لعدة كيلومترات، ومع زيادة الطلب تنفد الإمدادات خلال ساعات قليلة فقط، ما يزيد من حالة الذعر بين المواطنين. 

وأضاف: أن العصابات التي تخزن الوقود لبيعه في السوق السوداء ساهمت في تفاقم الأزمة.

حوادث اعتداءات متكررة في محطات الوقود


تشهد البلاد يوميًا حوادث اعتداء في نحو ثلاثة آلاف محطة وقود. 

ففي شمال بنجلاديش، تعرض عامل في محطة وقود لاعتداء شديد من قبل مجموعة من سائقي الدراجات النارية نقل على إثره إلى المستشفى.

وفي منطقة شرق العاصمة دكا، عاد عدد من السائقين الذين لم يحصلوا على الوقود ليلاً واعتدوا على موظفي محطة وقود وألقوهم في قناة مائية.

وفي حادثة أخرى وقعت في منطقة ناريل غرب البلاد، ألقت الشرطة القبض على سائق شاحنة يدعى سجات علي بعد قتله مدير محطة وقود يدعى ناهيد سردار.

 وأظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة أن السائق انتظر حتى نهاية دوام المدير بعد رفض تزويده بالوقود ثم دهسه بشاحنته.

 وقالت الشرطة: إن السائق أفاد خلال التحقيق بأنه انتظر ثماني ساعات للحصول على الوقود.

إمدادات غير منتظمة وتزايد المخاوف

 

قال ربيول إسلام، مالك محطة الوقود التي كان يعمل فيها الضحية: إن عمليات التسليم أصبحت غير منتظمة منذ اندلاع الحرب على إيران، بل توقفت بالكامل خلال عطلة عيد الفطر الأخيرة.

 

 وأضاف أن المحطة تلقت ستة آلاف لتر فقط من الوقود يوم السبت، وقد نفدت بالكامل قبل وصول السائق الذي ارتكب الجريمة.

 

وأكد أن هذه الكمية لم تكن كافية لتلبية الطلب الكبير من الزبائن.

 

وأشار محمد نجم الحق إلى أن مستوى العنف الحالي لم يحدث حتى خلال جائحة كورونا أو خلال الاحتجاجات الواسعة التي أطاحت بالحكومة في عام 2024، محذرًا من أن الوضع قد يتدهور أكثر مع استمرار الأزمة. 

 

وأضاف: أن بعض العاملين في محطات الوقود تلقوا تهديدات بإحراق المحطات، بينما طلب كثيرون ترك العمل بسبب المخاطر المتزايدة.

 

إجراءات حكومية لمحاولة احتواء الأزمة

 

قال مستشار رئيس الوزراء: إن السلطات بدأت التعامل مع التحديات الأمنية الناتجة عن الأزمة. وتم فرض قيود على كمية الوقود التي يمكن لكل سائق شراؤها، كما أمرت وزارة الداخلية بنشر قوات شبه عسكرية لحراسة مستودعات الوقود.

 

كما بدأت وزارة العدل إرسال محاكم متنقلة لملاحقة المحتكرين واستعادة بعض المخزونات غير القانونية من الوقود.

 

ومع ذلك، حذر المسؤول البنجلاديشي من أن استمرار الحرب لفترة طويلة سيجعل من الصعب للغاية حماية المواطنين من الضغوط التضخمية المتزايدة.

 

أعباء اقتصادية متصاعدة

 

تشير تقديرات خبراء الطاقة إلى أن بنجلاديش تدفع حاليًا ثلاثة أضعاف ما كانت تدفعه قبل عام لدعم كل متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال. 

 

وتسعى الحكومة للحصول على أكثر من 2.5 مليار دولار من التمويل الجديد من مؤسسات دولية مثل البنك الدولي للحفاظ على نظام الدعم.

 

ويرى الباحث شفيق الإسلام، أن استمرار الأسعار المرتفعة سيجبر الحكومة إما على خفض الواردات أو رفع الأسعار المحلية، وهو ما قد يؤدي في الحالتين إلى زيادة حالة عدم الاستقرار.

 

أزمات مماثلة في دول أخرى

 

تواجه دول أخرى في آسيا مخاطر مشابهة. ففي إندونيسيا، تحافظ الحكومة حتى الآن على دعم كبير للوقود، لكن استمرار اتساع العجز المالي قد يجعل ذلك غير ممكن على المدى الطويل. 

 

وشهدت البلاد سابقًا أعمال شغب بسبب ارتفاع أسعار الوقود، كان آخرها في عام 2022.

 

وفي باكستان، أعرب جول نواز أفريدي، رئيس جمعية تجار الوقود في إقليم خيبر بختونخوا، عن قلقه من قدرة الحكومة على مواصلة تقديم الدعم، محذرًا من أن المواطنين قد يتحولون إلى العنف ضد أصحاب محطات الوقود والعاملين فيها.

 

وفي وقت سابق من شهر مارس، قُتل عامل في محطة وقود بمدينة سيالكوت بعد أن رفض تلبية طلب أحد سائقي الدراجات النارية بتعبئة وقود في حاويات إضافية.

 

تداعيات سياسية واقتصادية أوسع

 

يرى مسؤولون، أن استمرار أزمة الطاقة سيؤدي إلى تحميل الدول الفقيرة البعيدة عن مركز الصراع العبء الأكبر من تداعيات الحرب، ليس فقط اقتصاديًا بل سياسيًا أيضًا.

 

وفي بنجلاديش، جاءت الأزمة في وقت حساس، إذ تولت الحكومة السلطة قبل أسابيع قليلة من اندلاع الحرب. 

 

وقد أدت الأزمة الحالية إلى تعطيل خطط الإصلاح والاستثمارات في البنية التحتية العامة.

 

وأكد مستشار رئيس الوزراء، أن بلاده تدفع ثمن أزمة لم يكن لها أي دور في صنعها، في إشارة إلى التداعيات العالمية للحرب التي تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتصل إلى مجتمعات بعيدة جغرافيًا عن ساحة الصراع.