فشل محادثات دمشق يعيد إشعال الجبهات في شمال شرق سوريا
فشل محادثات دمشق يعيد إشعال الجبهات في شمال شرق سوريا
يشهد شمال شرق سوريا تصعيدًا عسكريًا متزايدًا بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والقوات الحكومية السورية، رغم إعلان اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت يوم 18 يناير 2026، يأتي هذا التوتر في سياق تقدم الجيش السوري نحو مناطق سيطرة قسد، التي تشمل محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، وسط اتهامات متبادلة بانتهاك الاتفاق.
قسد، التي تقودها القوات الكردية المدعومة أمريكيًا، تتهم دمشق بمواصلة الهجمات على مواقعها، بما في ذلك سجون تحتجز فيها عناصر من تنظيم داعش، مما يثير مخاوف من إعادة انتشار الإرهاب، من جانبها، ترفض الحكومة السورية هذه الاتهامات وتؤكد أن قسد هي التي تخرق الاتفاق من خلال محاولات التقدم والاستفزاز، هذا التصعيد يعكس تعقيدات الوضع السوري بعد تغييرات سياسية حديثة، ويهدد بتوسيع النزاع إلى مناطق كردية أساسية، مع تداعيات أمنية إقليمية محتملة.
صراع مستمر
يعود التصعيد الحالي في شمال شرق سوريا إلى جذور الصراع السوري الذي اندلع في 2011، حيث استغلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الفراغ الأمني للسيطرة على مناطق واسعة شرق الفرات، مدعومة من التحالف الدولي ضد داعش.
شكلت قسد إدارة ذاتية كردية-عربية، تسيطر على موارد نفطية وغازية حيوية، مما أثار غضب دمشق التي ترى فيها تهديدًا للوحدة الوطنية.
بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2025، تولى أحمد الشرعة رئاسة حكومة مؤقتة، وأعلن عن حملة لاستعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، في 18 يناير 2026، أعلنت دمشق اتفاقًا مع قسد يشمل وقف إطلاق نار فوري، انسحاب قسد من الرقة ودير الزور، دمج قواتها في الجيش السوري، وتسليم الموارد الطبيعية والمعابر الحدودية، هذا الاتفاق جاء بعد تقدم عسكري سريع للجيش السوري، الذي سيطر على الطبقة وسد الفرات ومناطق نفطية، وسط وساطة أمريكية ودولية لتجنب صراع شامل.
ومع ذلك، يعكس السياق تعقيدات إقليمية، تركيا ترى في قسد امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وتدعم فصائل معارضة، بينما الولايات المتحدة تدعم قسد لمكافحة داعش، مما يجعل الاتفاق هشًا.
كما أن وجود آلاف السجناء من داعش في معتقلات قسد يضيف خطرًا أمنيًا، إذ يمكن أن يؤدي أي تصعيد إلى هروبهم وإعادة تنشيط التنظيم.
في حال وجود تضارب، يشير مراقبون إلى أن قسد رفضت الاتفاق كاملاً، معتبرةً أنه يهدف إلى تفكيك إدارتها الذاتية، بينما تؤكد دمشق أنه خطوة نحو الوحدة، هذا السياق يبرز الحاجة إلى حوار متوازن لتجنب عودة الاقتتال الداخلي.
التطورات الأخيرة خلال الـ24 ساعة الماضية
شهدت الـ24 ساعة الماضية تصعيدًا ميدانيًا حادًا رغم الاتفاق المعلن، عقد اجتماع في دمشق استمر خمس ساعات بين قائد قسد مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع، بحضور مبعوث أمريكي ومسؤولين سوريين رفيعي المستوى، لكن الاجتماع انتهى دون اتفاق، وسط مطالب دمشق بتفكيك قسد كاملاً وانسحابها من جميع المناطق، بما في ذلك المناطق الكردية الأساسية.
عرض الشرع على عبدي منصب نائب وزير الدفاع وترشيح حاكم للحسكة، لكن قسد اعتبرت ذلك تراجعًا عن الاتفاق السابق الذي سمح بدمج قواتها كوحدات متكاملة.
في الوقت نفسه، وقعت اشتباكات عنيفة في الحسكة وعين عيسى والشدادي، حيث هاجم الجيش السوري مواقع قسد قرب سجن الاقطان الذي يحتجز عناصر داعش؛ مما أدى إلى مقتل تسعة مقاتلين من قسد وإصابة 20 آخرين.
أعلنت قسد تعبئة عامة، داعية الكرد في العالم للانضمام إلى القتال، ووزعت أسلحة على المدنيين، معتبرة الصراع "حربًا وجودية".
من جانبها، اتهمت دمشق قسد باستخدام ملف سجون داعش كورقة ابتزاز، وأكدت أن قناصي قسد أطلقوا النار على قواتها أثناء الاقتراب من مواقع متفق عليها، كما تم اكتشاف سيارتين مفخختين.
في تضارب معلومات، أفادت تقارير بهروب بعض السجناء من مخيم الهول، بينما نفت قسد ذلك جزئيًا، محذرة من كارثة أمنية إذا استمرت الهجمات.
كما أعلنت وزارة الداخلية السورية استعدادها للتنسيق مع الولايات المتحدة لإدارة المعتقلات، مما يشير إلى محاولة دبلوماسية لتهدئة التوتر. هذه التطورات تعكس فشل الاتفاق الأولي، مع استمرار التقدم العسكري للجيش السوري نحو مناطق كردية رئيسية مثل القامشلي والحسكة.
الدلالات والآثار المحتملة
يحمل التصعيد الحالي دلالات خطيرة على المستويين الداخلي والإقليمي، حيث يهدد بإعادة إشعال الصراع السوري بعد فترة هدوء نسبي، داخليًا، يعمق فشل المحادثات الهوة بين الكرد والحكومة السورية، مما قد يؤدي إلى صراع عرقي طويل الأمد، خاصة مع تعبئة قسد للكرد عالميًا وتوزيع الأسلحة على المدنيين، الأمر الذي يشبه نمط الدفاع عن كوباني ضد داعش.
كما أن الهجمات على سجون داعش غير محسومة التفاصيل، لكنها قد تؤدي إلى هروب آلاف العناصر الإرهابية، مما يعيد تنشيط التنظيم ويزعزع الاستقرار في المنطقة، مع مخاطر على العراق المجاور. سياسياً، يبرز التصعيد ضعف الحكومة المؤقتة في فرض سيطرتها، وقد يعيق جهود إعادة الإعمار والوحدة الوطنية.
إقليمياً، يزيد التوتر من تدخل تركيا، التي قد تستغل الوضع لضرب قسد، معتبرةً إياها تهديداً أمنياً، بينما تظل الولايات المتحدة في موقف حرج كداعم لقسد، خاصة مع دعوات عبدي للتحالف الدولي لحماية المعتقلات. هذا قد يؤدي إلى تصعيد دبلوماسي أمريكي-سوري، أو حتى روسي، إذ تدعم موسكو دمشق.
اقتصادياً، سيطرة الجيش السوري على حقول النفط قد تعزز إيرادات الحكومة، لكن الاقتتال سيؤثر على الإنتاج ويزيد من معاناة السكان المحليين. في حال استمرار التصعيد، قد يؤدي إلى نزوح جماعي كردي نحو كردستان العراق أو تركيا، مما يعقد الأزمة الإنسانية.
ومع ذلك، إذا تم استئناف الحوار، يمكن أن يؤدي إلى حل سياسي يمنح الكرد حقوقاً خاصة، كما وعد الاتفاق الأولي، لكن ذلك يتطلب ضمانات دولية لتجنب عودة الاستبداد. عموماً، يشير الوضع إلى أن السلام في سوريا لا يزال بعيداً، مع مخاطر غير محسومة على الأمن الإقليمي.

العرب مباشر
الكلمات