موسكو تستعد لجولة تصعيد جديدة.. روسيا تعلن فشل مفاوضات السلام مع أوكرانيا
موسكو تستعد لجولة تصعيد جديدة.. روسيا تعلن فشل مفاوضات السلام مع أوكرانيا
تستعد روسيا لتصعيد عملياتها العسكرية ضد أوكرانيا بعد أن خلصت إلى أن مفاوضات التوصل إلى اتفاق سلام وصلت إلى طريق مسدود، وفقًا لثلاثة مصادر مقربة من الكرملين، في وقت تتجه فيه موسكو إلى تكثيف الضربات الصاروخية التقليدية القوية ضد كييف ومدن أوكرانية أخرى، وفقًا لما نقلته وكالة "بلومبرغ" الأمريكية.
وقالت المصادر: إن روسيا تدرس في الوقت الراهن زيادة هجماتها باستخدام الصواريخ الباليستية التقليدية، بما في ذلك استهداف وسط العاصمة الأوكرانية كييف، إلى جانب ضرب منشآت حيوية في مدن أخرى، مشيرة إلى أن المحادثات السياسية انهارت فعليًا وأعادت الطرفين إلى نقطة البداية.
وأضافت المصادر، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يبدو مستعدًا لإنهاء الحرب تحت ضغط العقوبات الاقتصادية أو الهجمات الأوكرانية التي استهدفت مصافي النفط الروسية وشبكات النقل والإمداد.
موسكو تعتبر الهجمات الأوكرانية مواجهة مع حلف شمال الأطلسي
ترى موسكو بشكل متزايد أن الضربات الأوكرانية ضد الأراضي الروسية لا تمثل تحركات أوكرانية منفردة، بل تعتبرها هجمات مدعومة من دول حلف شمال الأطلسي، بسبب إمداد أعضاء الحلف لكييف بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية.
وأكدت المصادر، أن المرحلة الحالية من المواجهة لا تمثل ذروة التصعيد العسكري، وأن روسيا ما تزال تملك خيارات إضافية لتوسيع نطاق عملياتها.
وكان بوتين قد أشار إلى توجهاته خلال تصريحات أدلى بها في نهاية الأسبوع لوسيلة إعلام حكومية روسية، حيث قلل من تأثير الهجمات الأوكرانية على الاقتصاد الروسي، محذرًا من أن كييف ستواجه ردًا يستهدف القطاعات الأكثر حساسية في اقتصادها.
وقال بوتين: إن أوكرانيا فتحت ما وصفه بصندوق باندورا، في إشارة إلى أن موسكو تستعد لاتخاذ إجراءات انتقامية واسعة.
جهود ترامب لإنهاء الحرب تصل إلى طريق مسدود
فشلت الجهود الأمريكية الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية في تحقيق اختراق سياسي، فيما توقفت المفاوضات في ظل تركيز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على التعامل مع الأزمة الإيرانية.
كما تخلت موسكو عن الرهان على تفاهم كانت تعتقد أنه تم التوصل إليه بين بوتين وترامب خلال القمة التي عقدت في ألاسكا في أغسطس الماضي.
وكان الاتفاق المتوقع يتطلب من الولايات المتحدة ممارسة ضغوط على أوكرانيا للتنازل عن منطقة دونيتسك الشرقية ضمن صفقة لإنهاء الحرب.
لكن كييف رفضت بشكل متكرر مطالب بوتين بالتخلي عن حزام من المدن المحصنة في إقليم دونيتسك، وهي مناطق فشلت القوات الروسية في السيطرة عليها منذ بدء القتال عام 2014.
وأوضح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في يونيو الماضي أن واشنطن لا تشارك موسكو رؤيتها بشأن التسوية، مؤكدًا أنه لو كان هناك اتفاق حقيقي لكانت الحرب قد انتهت.
وبعد اجتماعه مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الفلبين خلال يوليو الماضي، قال روبيو: إن المرحلة الحالية تحتاج إلى أفكار جديدة للتعامل مع الأزمة.
اتصالات استخباراتية أمريكية مع موسكو وسط التوترات
قام مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف بزيارة نادرة إلى موسكو، الثلاثاء، لإجراء محادثات مع مسؤولين روس، رغم عدم وضوح الملفات التي تناولتها الزيارة.
وأفادت تقارير بأن الهدف من الزيارة كان تحذير روسيا من شن هجمات ضد دول حلف شمال الأطلسي، وفقًا لأشخاص مطلعين على تفاصيل اللقاء.
كما كان من المتوقع أن يتوجه المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو بعد انقطاع دام ثمانية أشهر، إضافة إلى زيارة كييف للمرة الأولى، لكن لم يتم تحديد موعد رسمي لأي من الرحلتين.
وبحسب مصادر مقربة من الكرملين، فإن موسكو لا ترى في غياب المسار الدبلوماسي سوى خيارات محدودة، أبرزها مواصلة التصعيد لتحقيق أهدافها العسكرية.
ورغم أن روسيا تأمل في أن يحمل ويتكوف وكوشنر مقترحات جديدة خلال زيارتهما المحتملة، فإن التوقعات بإحراز تقدم سياسي ما تزال منخفضة للغاية.
ضربات متبادلة تستهدف الطاقة والبنية اللوجستية
شهدت الأشهر الأخيرة تصاعدًا في الهجمات الجوية المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا.
واستهدفت أوكرانيا مصافي نفط روسية، ما تسبب في نقص واسع بالوقود داخل روسيا، كما ضربت مستودعات تابعة لشركات التجارة الإلكترونية الكبرى مثل وايلدبيري وأوزون، ما أدى إلى أضرار بمليارات الدولارات في شبكات الخدمات اللوجستية.
في المقابل، كشفت الضربات الصاروخية الروسية على أوكرانيا عن نقص مزمن في صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية لدى كييف، ما جعل البلاد أكثر عرضة لاستهداف منشآت الطاقة والتدفئة، وهي الهجمات التي تسببت خلال الشتاء الماضي في انقطاع الكهرباء والتدفئة عن ملايين الأوكرانيين.
كما استهدف الطرفان السفن التجارية والموانئ في منطقة البحر الأسود، ما أثار مخاوف بشأن تأثير ذلك على إمدادات الحبوب في الأسواق العالمية.
وتعد روسيا وأوكرانيا من أكبر الدول المصدرة للقمح عالميًا، إذ تمثل صادراتهما أكثر من ربع الإمدادات العالمية، فيما تأتي هذه الهجمات خلال موسم حصاد القمح الحالي.
مخاوف من لجوء روسيا إلى السلاح النووي التكتيكي
أدى تصاعد الهجمات المتبادلة إلى زيادة مخاوف عدد من المسؤولين الروس من احتمال أن يلجأ بوتين في مرحلة ما إلى استخدام أسلحة نووية تكتيكية كخيار أخير في أوكرانيا، وفقًا للمصادر المقربة من الكرملين.
ويُعد احتمال خرق روسيا الحظر غير المعلن على استخدام الأسلحة النووية في الحروب منذ إلقاء الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على اليابان عام 1945، أحد أكبر المخاوف لدى المسؤولين الغربيين.
وقالت المصادر: إن الأصوات المتشددة داخل موسكو التي تدعو إلى اتخاذ خطوات نووية تصعيدية أصبحت أكثر حضورًا خلال الفترة الأخيرة، في ظل اعتقاد بعض الدوائر بأن السيناريو الأسوأ بالنسبة لبوتين هو خسارة الحرب.
وتختلف الأسلحة النووية التكتيكية عن الصواريخ الاستراتيجية من حيث صغر حجم الرؤوس الحربية وقصر المدى، إذ صممت للتأثير على ساحة معركة محددة وليس لتدمير مدن أو دول بأكملها، لكنها ما تزال قادرة على إحداث دمار هائل ونشر تلوث إشعاعي واسع.
ورغم هذه المخاوف، لا توجد مؤشرات حاليًا على استعداد روسيا لاستخدام أسلحة نووية في أوكرانيا.
بوتين يواصل استخدام التهديد النووي كورقة ضغط
بدأت روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، وكان الكرملين يتوقع تحقيق نصر سريع خلال أيام، إلا أن الحرب دخلت عامها الخامس وسط خسائر بشرية كبيرة في صفوف القوات الروسية واستمرار غياب أي نهاية واضحة للصراع.
كما استخدم بوتين على مدار السنوات الماضية خطاب التهديد النووي لمحاولة ردع الحلفاء الغربيين عن تقديم مزيد من الدعم العسكري لأوكرانيا.
وقالت فيونا هيل، الباحثة البارزة في مؤسسة بروكينغز والتي عملت مستشارة للأمن القومي لثلاثة رؤساء أمريكيين: إن بوتين يرى عدم وجود إرادة جماعية كافية لمواجهته، ويستغل الانقسامات الدولية لتحقيق أهدافه.
وأضافت، أن مواجهة تحركات روسيا تتطلب جهودًا جماعية ومنظمة إلى جانب استمرار المسار الدبلوماسي، مشيرة إلى أن بوتين يركز بشكل كامل على أهدافه بينما يتحرك خصومه بشكل متفرق.
وأوضحت هيل، أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن أبلغت روسيا بأن استخدام السلاح النووي سيقابل برد أمريكي تقليدي واسع، لكنها شككت في احتمال أن يوجه ترامب التحذير نفسه.
الصين والهند تحذران موسكو من استخدام النووي
وجه شركاء روسيا الرئيسيون، ومن بينهم الصين والهند، تحذيرات واضحة إلى بوتين بشأن استخدام الأسلحة النووية في أوكرانيا.
ونقلت تقارير أن الصين أبلغت موسكو بعدم التفكير حتى في استخدام الأسلحة النووية التكتيكية في أوكرانيا.
ومن المقرر أن يلتقي بوتين الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قيرغيزستان الأسبوع المقبل.
ويرى ألكسندر غابويف، مدير مركز كارنيغي روسيا وأوراسيا في برلين، أن احتمال استخدام روسيا أسلحة نووية تكتيكية ما يزال منخفضًا للغاية، بسبب محدودية فعاليتها العسكرية في ساحة معركة حديثة تعتمد على انتشار القوات، مقابل التكلفة السياسية الكبيرة لكسر الحظر النووي العالمي.
وأضاف، أن موسكو ما زالت تمتلك مساحة واسعة للتصعيد باستخدام الأسلحة التقليدية، بما في ذلك تكثيف الهجمات الصاروخية، وهو ما يقلل من دوافعها لعبور العتبة النووية في الوقت الراهن.

العرب مباشر
الكلمات