بعد استهدافهم لـ "إيلات".. السيناريوهات المحتملة لدور الحوثيين في الأيام المقبلة
بعد استهدافهم لـ "إيلات".. السيناريوهات المحتملة لدور الحوثيين في الأيام المقبلة
أعلنت مليشيا الحوثي أنهم نفذوا يوم أمس الاثنين عملية عسكرية مشتركة مع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني استهدفت مواقع حيوية وعسكرية إسرائيلية في إيلات على البحر الأحمر باستخدام دفعة من الصواريخ المجنحة والطائرات المسيّرة.
وقال المتحدث العسكري باسم مليشيات الحوثيين يحيى سريع: إن العملية نُفذت بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني والقوات المسلحة الإيرانية، إلى جانب عناصر من حزب الله، مشيرًا إلى أنها "حققت أهدافها بنجاح، بفضل الله".
وأضاف سريع: أن العملية تأتي في إطار ما وصفه بدعم وإسناد محور الجهاد والمقاومة في إيران ولبنان والعراق وفلسطين، وفي سياق مواجهة ما وصفه بالمخطط الصهيوني الهادف إلى إعادة تشكيل المنطقة.
وقال المتحدث العسكري: إن الحوثيين مستمرون في عملياتهم العسكرية، مؤكدًا أن ما وصفها بـ"معركة الجهاد المقدس" ستتواصل حتى تحقيق النصر.
وقبل أيام، انخرط الحوثيون في الحرب الجارية دعمًا لإيران التي تتعرض لهجمات أمريكية إسرائيلية مكثفة منذ 28 فبراير الماضي خلّفت آلاف القتلى والجرحى، فضلاً عن اغتيال قادة سياسيين وعسكريين، أبرزهم المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، ووزيرا الدفاع والاستخبارات، وقائدا الحرس الثوري وقوات الباسيج.
انخراط الحوثيون في الحرب
يرى المحللون، أن انخراط الحوثيين في الحرب يتسم بالتأخر النسبي والحذر في بدايته؛ حيث اقتصر على استهداف إسرائيل دون توسيع نطاق العمليات إلى ساحات أخرى.
ينبع أهمية دور الحوثيين في الحرب بالنسبة لإيران من موقعهم الجغرافي، الذي يفتح المجال أمام توسيع نطاق الصراع إلى البحر الأحمر، بما يحمله ذلك من تهديدات محتملة للمصالح الإقليمية والدولية.
بحلول 27 مارس، أصدر الحوثيون بيانًا عسكريًّا تضمَّن التهديد بالدخول في الحرب، لكنه ربط ذلك بجملة من الشروط، منها انضمام أطراف أخرى إلى التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، أو استخدام البحر الأحمر وخليج عدن في عمليات عسكرية ضد إيران، أو استمرار العمليات العسكرية القائمة.
واستند موقف مليشيات الحوثي إلى مؤشرات عامة صادرة عن القيادة الإيرانية، إلى جانب تصريحات لبعض قادة الحرس الثوري، أوحت بأن توسيع نطاق المواجهة سيظل خاضعًا لحسابات التوقيت والمصلحة، وليس اندفاعًا تلقائيًّا نحو التصعيد.
وفي هذا السياق، اقتصر خطاب المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، على الإشادة بمواقف الحلفاء، دون الخوض في تفاصيل أدوارهم.
خلال فترة دخول المليشيات الحوثية اقتصر نشاطهم على تنفيذ ثلاث هجمات باتجاه إسرائيل، واحدة بصورة منفردة، واثنتان ضمن تنسيق أوسع مع إيران وحزب الله، دون أن تستدعي، حتى الآن، ردًّا إسرائيليًّا مباشرًا.
وتنقل صحيفة "نيويورك تايمز"، عن خبراء، فإن انضمام الحوثيين إلى الحرب جاء بحذر وتردد طويل، بسبب "التراجع الكبير في قدرات" الميليشيا التي تعرّضت إلى قصف استمر 55 يومًا من الضربات الأمريكية والإسرائيلية في العام الماضي.
وتؤكد الصحيفة، أن سلسلة إمداد الميليشيا اليمنية قد تدهورت، كما انقطعت طرق التهريب، وبعض أنواع صواريخهم تتطلب وقودًا مستوردًا لم يعد متوفرًا بشكل منتظم.
وتضيف، "لم يكونوا صبورين، بل كانوا يقررون ما إذا كانوا سينفقون احتياطياتهم التي لا يمكنهم تجديدها".
وييفسر المحللون هذا الغياب النسبي للاستجابة بعدة اعتبارات، من بينها محدودية الأثر العملياتي لهذه الهجمات مقارنة بكلفة التصعيد، أو تجنُّب دفع الحوثيين نحو توسيع نطاق عملياتهم، خاصة باتجاه البحر الأحمر، بما قد يفتح جبهة بحرية حساسة ترتبط مباشرة بأمن الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، في وقتٍ يتزامن مع إغلاق إيران لمضيق هرمز، وما يفرضه ذلك من ضغوط مركَّبة على النظام البحري العالمي.
كما تميل بعض التقديرات الإسرائيلية إلى أن انخراط الحوثيين قد يظل، في المدى القريب، ضمن هذا السقف المحدود.
وبذلك، لا يقتصر الدور الحوثي على كونه أداة ضغط عسكرية، بل يمتد ليصبح جزءًا من معادلة أوسع في إعادة توزيع المخاطر على خطوط الطاقة والتجارة العالمية.
السيناريوهات المحتملة لدور الحوثيين في الأيام المقبلة
السيناريو الأول: إعاقة الملاحة
يرى المحللون، أن هذا السيناريو يقوم على إعادة إنتاج نمط العمليات البحرية الذي اتبعه الحوثيون خلال مرحلة إسناد غزة، مع توسيعه جزئيًّا ليتناسب مع السياق الحالي.
ويشمل ذلك استهداف السفن المرتبطة بخصوم إيران، سواء أثناء عبورها مضيق باب المندب أو في امتداد البحر الأحمر، باستخدام مزيج من الأدوات، مثل الهجمات الصاروخية، والطائرات المسيَّرة، والعمليات غير المباشرة، بما في ذلك التهديد أو الاحتجاز أو محاولات الإغراق المحدودة.
وهذا لا يهدد الأساطيل فقط، بل يطال أيضًا خطوط الطاقة البديلة.
كما قد يتخذ هذا النمط بُعدًا غير تقليدي، عبر فرض تكاليف غير رسمية على بعض السفن مقابل "مرور آمن"، بما يسهم في خلق بيئة طاردة للملاحة التجارية.
ويستند هذا السيناريو إلى منطق الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة؛ إذ يحقق تأثيرًا اقتصاديًّا ملموسًا دون استدعاء رد عسكري واسع النطاق.
وتزداد احتمالات تحققه في حال استمرار الحرب ضمن مستواها الحالي دون توسع كبير.
في هذا السياق، حذر مركز هوفر الأمريكي للأبحاث من أن أعمال الحوثيين في البحر الأحمر ستؤدي إلى ردود فعل عسكرية دولية، مما سيرتد سلبًا على الاقتصاد اليمني المتداعي بالأساس مع إطالة أمد الكارثة الإنسانية ، فضلاً عن تعريض التجارة البحرية الإقليمية للخطر.
ويُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، نظرًا لانخفاض كلفته العملياتية، وقدرته على تحقيق تأثير تراكمي في حركة التجارة، عبر رفع تكاليف التأمين، وإجبار بعض الخطوط الملاحية على تغيير مساراتها، دون الوصول إلى حدِّ تعطيلٍ شامل للممر البحري.
السيناريو الثاني: استهداف البنية النفطية والموانئ في البحر الأحمر
تقول صحيفة جيروزاليم الإسرائيلية: إن دخول الحوثيين الحرب يعني أنها لم تعد محصورة في هرمز، بل امتدت إلى الممر البحري الموازي له.
يأتي ذلك من خلال توجيه ضربات إلى الموانئ على البحر الأحمر، مثل جازان وجدَّة الإسلامية وينبع، مع تركيز خاص على منشآت تصدير النفط والسفن المرتبطة بها.
ويستند هذا السيناريو إلى منطق نقل الضغط من الممرات إلى مصادر الطاقة نفسها، بما يعزز التأثير الاقتصادي المباشر، ويخلق تداخلًا بين أمن الطاقة وأمن الملاحة.
وتشير بعض المؤشرات الميدانية إلى قابلية هذا السيناريو، منها التحركات العسكرية في الساحل الغربي لليمن، والتأهب النسبي للقوات الحكومية، إلى جانب التحذيرات الأممية من انزلاق اليمن إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو ينطوي على مخاطر تصعيد أعلى، نظرًا لاحتمال استدعائه ردودًا مباشرة من أطراف إقليمية ودولية؛ ما يجعله أقل ترجيحًا من السيناريو الأول، لكنه أكثر تأثيرًا في حال تحققه.
وفي هذا السياق يحذر فارع المُسلِمي الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمركز تشاتام هاوس البريطاني للأبحاث -في تصريح لصحيفة ذا غارديان البريطانية- قائلا: إن "قرار الحوثيين الانخراط في الصراع الإقليمي يمثل تصعيدًا خطيرًا ومثيرًا للقلق".
وشدد على أنه "لا يمكن التقليل من تأثير ذلك على الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب". ويضيف: أن البنية التحتية الاقتصادية والعسكرية في الخليج قد تصبح أكثر عرضة للاستهداف.
مخاوف من إغلاق مضيق باب المندب
وتشير تحليلات صحيفة ذا غارديان إلى أن أي تعطيل لمضيق باب المندب، إلى جانب القيود المفروضة على مضيق هرمز، قد يؤدي إلى شلل كبير في حركة الطاقة العالمية. فالمضيق يمثل نقطة عبور حيوية للنفط والغاز والتجارة بين آسيا وأوروبا.
وفي حال إغلاقه أو تهديده بشكل جدي، فإن ذلك سيضاعف التأثير الاقتصادي للحرب، خاصة على الدول المستوردة للطاقة، ويزيد من تقلبات الأسواق العالمية. كما قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والشحن البحري.
تهديد الأمن البحري
وفي هذا الإطار، يتجاوز الدور الحوثي حدود العمليات العسكرية المباشرة، ليؤثر في معادلات الأمن البحري والاقتصاد الإقليمي، خاصة في ظل الترابط المتزايد بين مضيقي هرمز وباب المندب.
كما أشار موقع الهيئة العامة النمساوية للإذاعة والتلفزيون "أو آر إف" إلى أن التوسع في نطاق الحري قد يؤدي إلى احتكاكات مباشرة في مناطق جديدة، ما يزيد من خطر فقدان السيطرة على مسار التصعيد، ويدفع المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة.
كما يؤدي ذلك إلى مضاعفة الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية، وإعادة توجيه مسارات الطاقة والتجارة، بما ينعكس على أسعار النقل والتأمين، ويضع اقتصادات الدول المطلة على هذه الممرات أمام تحديات متزايدة.
ومع اتساع نطاق التهديد للممرات البحرية، يبرز احتمال تحوُّل البحر الأحمر من ممر عبور إلى مساحة تنافس إستراتيجي مفتوح، وهو تحول يحمل تداعيات تتجاوز الإقليم، ليمس استقرار النظام التجاري العالمي وتوازنه.

العرب مباشر
الكلمات