أوكرانيا تستعد لأقسى شتاء منذ اندلاع الحرب.. ومخاوف من هجومٍ روسي واسع

أوكرانيا تستعد لأقسى شتاء منذ اندلاع الحرب.. ومخاوف من هجومٍ روسي واسع

أوكرانيا تستعد لأقسى شتاء منذ اندلاع الحرب.. ومخاوف من هجومٍ روسي واسع
بوتين

 تستعد أوكرانيا لمواجهة ما قد يكون أصعب فصل شتاء منذ بدء الحرب مع روسيا، وسط تحذيرات من مسؤولين أوكرانيين وخبراء أمنيين ومسؤولي شركات الصناعات الدفاعية من أن الأشهر المقبلة قد تشهد أعنف هجوم روسي على البنية التحتية للطاقة، في محاولة لإضعاف قدرة البلاد على الصمود مع انخفاض درجات الحرارة.
 
وبحسب شبكة "سي إن بي سي" الأمريكية، يأتي هذا القلق في وقت كثفت فيه القوات الروسية هجماتها الصاروخية على المدن الأوكرانية خلال الأسابيع الأخيرة، مستغلة النقص الذي تعاني منه كييف في صواريخ الدفاع الجوي القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية.
 
زيلينسكي يضع الشتاء على رأس الأولويات


ومنذ أبريل الماضي، شدد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على ضرورة ضمان جاهزية منشآت الطاقة والبنية التحتية وتأمينها بالكامل قبل حلول موسم التدفئة، معتبرًا أن حماية شبكة الكهرباء والغاز تمثل أولوية وطنية في المرحلة الحالية.


وفي يوليو الماضي، أعلن زيلينسكي تعيين سيرهي كوريتسكي رئيسًا جديدًا للوزراء، بعد أن شغل سابقاً منصب الرئيس التنفيذي لشركة النفط والغاز الحكومية نافتوغاز، مؤكدًا أن خبرته ستكون عاملاً أساسيًا في حماية المواطنين وضمان عبور البلاد لفصل الشتاء بأقل الخسائر.


ويأتي هذا التغيير الحكومي بالتزامن مع تعزيز أوكرانيا لقدراتها في مجال الطائرات المسيّرة، في محاولة لرفع كلفة الحرب على موسكو وزيادة الضغوط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد أكثر من أربع سنوات ونصف من القتال.
 
تصعيد روسي لاستغلال نقاط الضعف
 
ويقول مراقبون: إن روسيا كثفت هجماتها الصاروخية على المدن الأوكرانية بهدف استغلال النقص الحاد في منظومات اعتراض الصواريخ الباليستية لدى كييف، ما يجعل المنشآت الحيوية أكثر عرضة للاستهداف خلال الشتاء المقبل.
 
وأكدت إيرينا تيريخ، الرئيسة التنفيذية لشركة "فاير بوينت" الأوكرانية المتخصصة في تصنيع الطائرات المسيّرة، أن بلادها يجب أن تتعامل بواقعية مع حجم التهديد المقبل، خاصة في ظل النقص الكبير في أنظمة الدفاع الجوي.
 
وقالت إن الشتاء الماضي كان قاسياً للغاية على أوكرانيا وعلى المدن الكبرى، متوقعة أن يكون الشتاء المقبل أكثر صعوبة، وليس أقل قسوة.
 
وأضافت: أن شركات الصناعات الدفاعية الأوكرانية تعمل بشكل متسارع لتطوير تقنيات محلية لاعتراض الصواريخ، إلا أن البرامج التي تستغرق عادة ما بين 20 و30 عاماً لإنجازها يتم ضغطها في سنوات قليلة، وهو أمر لا يمكن استكماله قبل حلول الشتاء.
 
الاعتماد على منظومة باتريوت
 
وما تزال أوكرانيا تعتمد بصورة كبيرة على منظومة باتريوت الأمريكية PAC-3 لاعتراض الصواريخ الباليستية الروسية، رغم الجهود التي تبذلها الشركات المحلية لتطوير منظومات دفاعية وطنية.
إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثار شكوكًا جديدة بشأن مستقبل الدعم العسكري لكييف، بعدما كشف في مقابلة هاتفية مع صحيفة فاينانشال تايمز في 30 يوليو أنه لم يحسم بعد قراره بشأن السماح لأوكرانيا بإنتاج صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومة باتريوت داخل أراضيها.
 
وفي المقابل، أكد زيلينسكي، عقب اتهام روسيا باستخدام صاروخ كوري شمالي في هجوم دموي استهدف قرية رادوشنيه، أن صواريخ الدفاع الجوي، وعلى رأسها منظومة باتريوت، لا تزال تمثل أولوية قصوى بالنسبة لبلاده.
 
كما دعا الشركاء الغربيين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والدول الأوروبية، إلى مواصلة تقديم الدعم العسكري، مؤكداً أن حياة المدنيين تعتمد بشكل مباشر على سرعة توفير هذه الأنظمة الدفاعية.


 استعدادات حكومية لموسم البرد

 

وبالتوازي مع الاستعدادات العسكرية، تعمل الحكومة الأوكرانية على تعزيز حماية منشآت الطاقة، وزيادة احتياطيات الوقود والغاز، لضمان استمرار إمدادات الكهرباء والتدفئة خلال الشتاء.

 

كما تسعى كييف إلى تأمين تمويل إضافي من شركائها الأوروبيين، ولا سيما من حزمة الدعم المالي التي أقرها الاتحاد الأوروبي بقيمة 90 مليار يورو، إلى جانب إعداد برنامج خاص للمساعدات الشتوية.

 

وقال سيرهي كوزان، رئيس مركز الأمن والتعاون الأوكراني في كييف: إن جزءًا من التعديلات الحكومية الأخيرة التي أجراها زيلينسكي يرتبط مباشرة بالتحضير لمواجهة الشتاء المقبل.

وأوضح، أن الحكومة خضعت لعملية إعادة هيكلة تهدف إلى تنشيط المؤسسات وتحسين التنسيق بين مختلف الوزارات والهيئات، بما يضمن جاهزية البنية التحتية للطاقة والأمن قبل حلول الطقس البارد.

 

وأشار إلى أن الرئيس الأوكراني كان قد حذر منذ مايو الماضي من ضرورة إجراء تغييرات في الطاقم الحكومي إذا لم تتسارع وتيرة الاستعدادات لفصل الشتاء.

 

بوتين يسعى لاستنزاف أوكرانيا

 

ويرى كيرت فولكر، السفير الأمريكي السابق لدى حلف شمال الأطلسي، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيواصل استغلال الشتاء كسلاح استراتيجي، عبر محاولة تعطيل منظومة الكهرباء والتدفئة في أوكرانيا، أملاً في إنهاك البلاد وإجبارها على تقديم تنازلات.

 

لكنه أكد في الوقت ذاته أن أوكرانيا أصبحت أكثر استعدادًا للتعامل مع الهجمات الروسية مقارنة بالشتاء الماضي، بفضل تحسين قدراتها الدفاعية وتطوير وسائل الحماية.

 

وأضاف فولكر، الذي يشغل أيضًا عضوية المجلس الاستشاري لشركة "دي تي إي كيه" أكبر شركة طاقة خاصة في أوكرانيا، أن روسيا تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة الخسائر العسكرية واستهداف أوكرانيا لمنشآت تكرير النفط ومرافق التصدير، وهو ما أدى إلى تقليص موارد الكرملين المالية.

 

ورأى أن بوتين سيواصل الحرب طالما لم يهدد ذلك استقرار الدولة الروسية، إلا أن قدرته على الاستمرار بدأت تتراجع تدريجياً، متوقعاً أن يواصل القتال خلال الشتاء اعتقاداً منه بأنه يمنحه أفضلية، لكنه قد يجد نفسه بحلول الربيع مضطراً للقبول بوقف إطلاق النار بسبب القيود العسكرية والاقتصادية المتزايدة.

 

أوكرانيا ترفع كلفة الحرب على موسكو

 

وأشار محللون إلى أن أوكرانيا كثفت في الآونة الأخيرة هجماتها على مراكز الخدمات اللوجستية والمنشآت الاقتصادية الحيوية داخل روسيا، بما في ذلك مراكز توزيع تابعة لشركات تجارية كبرى، في محاولة لزيادة الكلفة الاقتصادية للحرب ودفع موسكو إلى العودة لطاولة المفاوضات.

 

وفي المقابل، شددت إيرينا تيريخ على أن أوكرانيا، رغم التطور الذي حققته في الصناعات الدفاعية، ما تزال تعتمد بشكل كبير على الدعم العسكري والسياسي الذي يقدمه الحلفاء الغربيون.

 

وأضافت، أن المجتمع الدولي يميل إلى دعم الطرف القادر على الصمود وتحقيق النتائج، وليس بدافع التعاطف وحده، مؤكدة أن أوكرانيا لم تعد تنظر إلى نفسها كضحية من الناحية النفسية، لكنها لا تستطيع مواصلة الحرب بمفردها، وما تزال بحاجة إلى دعم شركائها لمواجهة المرحلة المقبلة.