في مواجهة الظل.. كيف أعادت فرنسا تعريف خطر الإسلام السياسي؟
في مواجهة الظل.. كيف أعادت فرنسا تعريف خطر الإسلام السياسي؟
في قلب الجدل الفرنسي المتصاعد حول مستقبل العلمانية وحدود التعدد، تعود جماعة الإخوان المسلمين إلى واجهة النقاش السياسي بوصفها عنوانًا لصراع أعمق بين الدولة الجمهورية ومشروعات الإسلام السياسي.
لم يعد الأمر محصورًا في مقاربة أمنية مرتبطة بالعنف أو الإرهاب المباشر، بل اتخذ بعدًا ثقافيًا ومجتمعيًا يمسّ تعريف الهوية الفرنسية ذاتها، فمع طرح مقترح داخل الجمعية الوطنية لإدراج الإخوان على قائمة الإرهاب الأوروبية، تجد باريس نفسها أمام لحظة فاصلة هل تواجه تهديدًا أمنيًا تقليديًا، أم مشروعًا طويل النفس يعيد تشكيل المجتمع من الداخل بين مخاوف الاختراق الهادئ، وضغوط الرأي العام، وتبدّل المزاج الأوروبي بعد موجات العنف والتوترات الدولية، تتقدم فرنسا نحو إعادة صياغة علاقتها مع الإسلام السياسي، في محاولة لحماية نموذجها الجمهوري من التفكك البطيء الذي ترى أنه يتسلل عبر الجمعيات والمدارس والمساجد أكثر مما يأتي عبر القنابل والرصاص.
معركة سياسية تتجاوز الأمن
بدأت الشرارة الجديدة مع مناقشة لجنة الشؤون الأوروبية في الجمعية الوطنية الفرنسية لمقترح تقدم به نواب حزب الجمهوريين، يدعو إلى إدراج جماعة الإخوان على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، ورغم أن هذا النوع من القرارات لا يحمل قوة إلزامية مباشرة للحكومة، فإنه يمثل مؤشرًا سياسيًا بالغ الدلالة، ويعكس رغبة في دفع أوروبا بأكملها نحو مراجعة موقفها من الجماعة.
يرى مقدمو المقترح أن الإخوان لا يمارسون العنف المباشر داخل فرنسا، لكنهم يساهمون في تهيئة بيئة فكرية واجتماعية تُعيد إنتاج مفهوم العدو الداخلي، وتغذي خطاب الانفصال عن القيم الجمهورية، هذه المقاربة تنقل النقاش من سؤال “هل هم إرهابيون؟” إلى سؤال أكثر تعقيدًا هل يمثلون مشروعًا مناقضًا للدولة؟
ويعوّل الحزب المعارض على دعم كتل وسطية داخل البرلمان، في ظل تحوّل المزاج العام، حيث أظهر استطلاع للرأي أن أغلبية ساحقة من الفرنسيين تؤيد حظر الجماعة. هذا الإجماع الشعبي يمنح المقترح قوة رمزية كبيرة، حتى وإن بقي في إطار التعبير السياسي.
خطر بعيد المدى
التحول في الخطاب الفرنسي لم يأتِ من فراغ فقد استندت المبادرة البرلمانية إلى تقرير صادر عن وزارة الداخلية حذّر من تمدد شبكات الإسلام السياسي عبر جمعيات دينية وثقافية وخيرية وتعليمية، التقرير، الذي عُرض على مجلس الدفاع برئاسة الرئيس إيمانويل ماكرون، وصف الخطر بأنه بعيد المدى لكنه حقيقي، لأنه يستهدف بنية المجتمع وقيمه، لا أمنه المباشر فقط.
وفق هذه الرؤية، يعتمد الإخوان على استراتيجية التغلغل الناعم بناء شبكات محلية داخل الأحياء والضواحي، التأثير في الأجيال الشابة، وإعادة تعريف الهوية الدينية بوصفها بديلًا عن المواطنة، لا تقوم هذه المقاربة على الصدام مع الدولة، بل على الالتفاف عليها، من خلال خطاب يبدو معتدلًا في ظاهره، لكنه يعيد ترتيب الأولويات بين الانتماء الديني والانتماء الوطني.
التقرير أشار إلى أن مئات دور العبادة في فرنسا ترتبط مباشرة أو غير مباشرة بهذه الشبكات، وأن منظمة مسلمو فرنسا – الامتداد التاريخي لاتحاد المنظمات الإسلامية – تمثل النموذج الأوضح لهذا الأسلوب الهادئ في العمل داخل المؤسسات.
الإسلام السياسي كـ مشروع مجتمعي
وزير الداخلية الفرنسي لخص هذه المخاوف بالقول: إن هدف الإسلاموية هو إعادة تشكيل المجتمع الفرنسي على أسس طائفية مؤدلجة، هذا التعريف ينقل النقاش من ساحة الأمن إلى ميدان الثقافة والهوية. فالدولة لم تعد ترى التهديد في القنابل، بل في بناء مجتمعات موازية تعيش وفق قواعد وقيم مختلفة عن القيم الجمهورية.
من وجهة نظر محللين في باريس، لا يعمل الإخوان في أوروبا كتنظيم هرمي صارم، بل كشبكة واسعة من الفاعلين المدنيين.
الجمعيات الثقافية، المدارس غير الرسمية، الأنشطة الخيرية، وحتى النوادي الرياضية، تتحول إلى مساحات لإعادة إنتاج خطاب يضع العلمانية في موقع الخصومة مع الدين، ويصور الدولة بوصفها كيانًا معاديًا للمقدس.
خطورة هذا النموذج، كما ترى الدوائر الرسمية، لا تكمن في الدعوة إلى العنف، بل في ترسيخ الانعزالية والشعور بالمظلومية، بما يمهّد نفسيًا وفكريًا لبيئات أكثر قابلية للتطرف في المستقبل.
الضواحي كمساحة نفوذ
تلعب العوامل الاجتماعية والاقتصادية دورًا محوريًا في تمدد هذا النفوذ. فالضواحي المهمشة، حيث البطالة وضعف الخدمات والشعور بالإقصاء، تشكل بيئة خصبة لخطاب الإسلام السياسي.
هنا، تملأ الجمعيات الفراغ الذي تتركه الدولة، عبر تقديم خدمات اجتماعية ودعم رعائي، يترافق مع خطاب أيديولوجي يمنحها شرعية محلية وتأثيرًا متزايدًا.
بهذه الطريقة، لا يظهر الإسلام السياسي كقوة صدامية، بل كبديل اجتماعي وأخلاقي، قادر على استقطاب الشباب الذين يشعرون بأن الجمهورية لم تنصفهم. هذا النموذج يجعل المواجهة أكثر تعقيدًا؛ إذ لا يمكن اختزاله في إجراءات أمنية أو قانونية فحسب.
السياق الأوروبي المتغير
يتزامن التشدد الفرنسي مع تحول أوسع في المزاج الأوروبي تجاه الإسلام السياسي، خاصة بعد موجات العنف منذ 2015، ثم التوترات التي رافقت الحرب في غزة وما تلاها من احتجاجات واستقطاب حاد داخل المجتمعات الغربية هذه التطورات أعادت طرح سؤال الاندماج والولاء والانتماء، ودفعت دولًا عدة إلى مراجعة سياساتها السابقة التي اتسمت بالتسامح أو التغاضي.
في هذا السياق، تبدو فرنسا في طليعة معركة فكرية وقانونية تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والجماعات الدينية ذات الطابع السياسي.
فالتحدي لم يعد محصورًا في منع الهجمات، بل في حماية نموذج العيش المشترك الذي يقوم على العلمانية والمواطنة المتساوية.
رغم ارتفاع الأصوات المطالبة بالحظر، تدرك الدولة الفرنسية أن المواجهة لا يمكن أن تكون أمنية فقط. لذلك توصي التقارير الرسمية بمقاربة مزدوجة: رفع الوعي العام بمخاطر الإسلام السياسي، وتعزيز الخطاب العلماني، وفي الوقت ذاته إرسال إشارات إيجابية للجالية المسلمة، عبر دعم التعليم والاندماج داخل الإطار الجمهوري.
هذا التوازن يعكس إدراكًا بأن المعركة ليست ضد الإسلام كدين، بل ضد مشروع سياسي يسعى لإعادة صياغة المجتمع وفق منطق مغاير للدولة المدنية ومن هنا، يصبح تصنيف الإخوان – إن تم – خطوة رمزية في معركة أطول، تتعلق بمستقبل النموذج الجمهوري نفسه.
وعي متأخر
يرى الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، أنّ ما يجري في فرنسا يتجاوز كونه نقاشًا حول تنظيم بعينه، ليعبّر عن تحوّل استراتيجي في نظرة الدولة الأوروبية عمومًا إلى الإسلام السياسي بوصفه مشروعًا سياسيًا عابرًا للحدود، لا حركة دعوية محلية.
ويؤكد أنّ باريس باتت تدرك أنّ جماعة الإخوان لا تعمل في السياق الغربي بمنطق المواجهة المباشرة، بل بمنهج التمكين الهادئ القائم على إعادة تشكيل المجال العام من الداخل، عبر التعليم والعمل الخيري والجمعيات الثقافية.
ويقول فهمي في حديثه لـ"العرب مباشر": إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في العنف، بل في إعادة تعريف الهوية والانتماء، بحيث يصبح الولاء الديني مقدّمًا على العقد المدني الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.
وهذا – برأيه – يمسّ جوهر النموذج الجمهوري الأوروبي، القائم على الفرد المواطن لا الجماعة المؤدلجة، ويضيف أنّ التجربة الفرنسية تكشف وعيًا متأخرًا بطبيعة هذا التحدي، بعد سنوات من التساهل بدعوى حماية الحريات.
ويشير فهمي إلى أنّ تصنيف الإخوان، إن تم، سيكون خطوة سياسية رمزية أكثر منه إجراءً أمنيًا مباشرًا، لكنه يحمل رسالة واضحة مفادها أنّ أوروبا لم تعد تنظر إلى الإسلام السياسي كجزء طبيعي من التعدد، بل كمشروع منافس للدولة، ويختم بالقول: إنّ المعركة المقبلة ستكون فكرية ومجتمعية بالأساس، تتعلق بإعادة ترسيخ قيم المواطنة والعلمانية في مواجهة خطاب الانعزال والهويات المغلقة.

العرب مباشر
الكلمات