الضفة تحت نار المستوطنين.. تقرير يكشف انتقال العنف إلى مناطق خاضعة للسلطة الفلسطينية

الضفة تحت نار المستوطنين.. تقرير يكشف انتقال العنف إلى مناطق خاضعة للسلطة الفلسطينية

الضفة تحت نار المستوطنين.. تقرير يكشف انتقال العنف إلى مناطق خاضعة للسلطة الفلسطينية
الضفة الغربية

كشف تقرير صادر عن منظمة يش دين الإسرائيلية لحقوق الإنسان أن هجمات المستوطنين الإسرائيليين العنيفة في المنطقتين أ وب من الضفة الغربية المحتلة، والخاضعتين إداريا للسلطة الفلسطينية، تضاعفت تقريبا منذ عام 2025، في وقت يدفع فيه قادة المستوطنين باتجاه ما يصفونه بثورة استيطانية كبرى في قلب المناطق التي يفترض أن تشكل جزءا من الدولة الفلسطينية المستقبلية، بحسب ما نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية.

وبحسب التقرير الذي اطلعت عليه صحيفة الغارديان، فإن نحو ثلثي حوادث عنف المستوطنين التي سجلت خلال عام 2026 حتى الآن وقعت في المنطقتين أ وب، اللتين وضعتا تحت إدارة السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو الموقعة عام 1995.

ويرصد التقرير، الذي يحمل عنوان الحدود الجديدة: عنف المدنيين الإسرائيليين في المنطقتين أ وب، تحولا سريعا في نطاق العنف والضغوط التي تمارسها الحكومة والجيش والمستوطنون ضد الفلسطينيين، من المنطقة ج إلى المنطقة ب وحتى المنطقة أ.

 

تحول في خريطة عنف المستوطنين

تشير بيانات التقرير إلى أن نسبة حوادث العنف التي وقعت في المنطقة ب بلغت 55% من إجمالي الحوادث المسجلة في الضفة الغربية منذ بداية العام الجاري، مقارنة بنحو 25% خلال العام الماضي.

وفي المقابل، تراجعت نسبة الهجمات المسجلة في المنطقة ج من 67% من إجمالي الحوادث إلى 37% خلال الفترة نفسها، وهو ما تعتبره منظمة يش دين مؤشرا على حدوث تغيير متعمد في استراتيجية الاستيطان والعنف.

وقالت المنظمة التي توثق أعمال عنف المستوطنين منذ أكثر من عقدين، إن تصاعد عنف المستوطنين والدولة ضد التجمعات الفلسطينية في المنطقة ج خلال السنوات الأخيرة دفع فلسطينيين بصورة قسرية نحو المنطقتين أ وب، الأمر الذي جعل هاتين المنطقتين أكثر أهمية للحفاظ على الأمن والقدرة على ممارسة حياة يومية طبيعية إلى حد ما.

وتشير المنظمة إلى أن غالبية تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين تجري داخل هاتين المنطقتين، وهو ما يجعل التوسع الاستيطاني فيهما ذا تداعيات مباشرة على السكان الفلسطينيين.

 

تقسيم الضفة الغربية بموجب اتفاق أوسلو

كانت المناطق الإدارية الثلاث في الضفة الغربية قد حددت بموجب اتفاق أوسلو باعتبارها ترتيبا انتقاليا يمهد للوصول إلى اتفاق نهائي بشأن إقامة دولة فلسطينية.

لكن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بدفع من الحركة الاستيطانية، اتبعت على مدى سنوات سياسات تهدف إلى تقويض المطالب الفلسطينية بالأراضي، بحسب التقرير.

وتشكل المنطقة ج نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وكانت إسرائيل قد تولت فيها بصورة مؤقتة مسؤوليات واسعة في الشؤون المدنية والأمنية، إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن وضع الأراضي.

لكن هذا الترتيب تحول إلى أساس لتوسع المستوطنات الإسرائيلية، إذ تقع جميع المستوطنات الإسرائيلية التي أقرتها الحكومة في المنطقة ج، كما تمر فيها الطرق الرئيسية وشبكات النقل الحيوية في الضفة الغربية.

أما المنطقة أ، فتشكل نحو 18% من مساحة الضفة الغربية، وتضم المدن الفلسطينية الرئيسية، وقد أصبحت السلطة الفلسطينية مسؤولة فيها عن الشؤون المدنية والأمن الداخلي.

في حين تمثل المنطقة ب نحو 22% من مساحة الضفة، وتضم المناطق المبنية داخل التجمعات الريفية الفلسطينية، وتولت السلطة الفلسطينية فيها مسؤولية الشؤون المدنية والنظام العام.

 

توسع البؤر الاستيطانية في المنطقتين أ وب

منذ عام 2024، وسعت الحركة الاستيطانية الإسرائيلية أنشطتها بصورة علنية وبأساليب عنيفة، من خلال إقامة بؤر زراعية جديدة في المنطقتين أ وب.

وقال قادة من المستوطنين بصورة علنية إن هذه البؤر تهدف إلى اكتساب موطئ قدم في مواقع فلسطينية وصفوها بأنها استراتيجية للغاية.

ويشير تقرير يش دين إلى أن إقامة هذه البؤر تمثل توسعا مهما في النشاط الاستيطاني، نظرا لوقوعها في مناطق يفترض أن تكون خاضعة للسيطرة الفلسطينية بموجب ترتيبات أوسلو.

وفي وقت سابق من هذا الصيف، نشرت مؤسسة هيلتوب، وهي منظمة تقدم المعدات والدعم والتمويل لإقامة البؤر الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية، خريطة داخل مجموعة على تطبيق واتساب أظهرت 16 بؤرة استيطانية بين مدينتي رام الله ونابلس وحدهما.

ورافق الخريطة نص يتحدث عن الثورة الاستيطانية الكبرى الجارية في مناطق أوسلو، مع تعهد المؤسسة بمواصلة دعم إقامة البؤر الاستيطانية في المنطقة ب.

ويقول تقرير يش دين إن نجاح إقامة هذا العدد الكبير من البؤر الاستيطانية، رغم مخالفتها الواضحة للقانون الإسرائيلي، يثبت أن إسرائيل تتعمد عدم معالجة القضية بصورة فعالة، وأن الأهداف التي يعلنها المستوطنون تتوافق مع سياسة الحكومة.

وزراء إسرائيليون يدعون إلى السيطرة على المنطقة ب

أشار التقرير إلى مواقف وزيري الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير والمالية بتسلئيل سموتريتش، اللذين دعوا في مناسبات سابقة إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو.

ووفقا للتقرير، يتحدث الوزيران بصورة علنية عن طموحهما للسيطرة على المنطقة ب وإلغاء التقسيم الإداري الذي أوجدته اتفاقيات أوسلو.

وتشير هذه المواقف، بحسب المنظمة الحقوقية الإسرائيلية، إلى أن التوسع الاستيطاني في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية لا يحدث بمعزل عن التوجهات السياسية داخل الحكومة الإسرائيلية، وإنما يتقاطع مع تصريحات ومواقف لمسؤولين بارزين فيها.

 

قلق دولي متزايد وعقوبات على المستوطنين

تأتي هذه التطورات في وقت يتزايد فيه القلق الدولي بشأن تصاعد وتيرة عنف المستوطنين في الضفة الغربية.

وفرضت الولايات المتحدة ودول أوروبية عقوبات على مستوطنين وشخصيات مؤيدة للاستيطان، من بينهم إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي.

وأعلنت فرنسا يوم الأربعاء فرض عقوبات على بن غفير، وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إن ما يحدث في الضفة الغربية أمر مشين للغاية وينبغي أن يثير اشمئزاز الجميع.

وتعكس هذه الخطوة اتساع الضغوط الدولية على إسرائيل بسبب تصاعد أعمال العنف المرتبطة بالمستوطنين، في وقت تتزايد فيه الدعوات الأوروبية إلى وقف التوسع الاستيطاني وحماية المدنيين الفلسطينيين.

 

أكثر من 190 هجوما شهريا خلال 2026

ووفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قتل 18 فلسطينيا حتى 20 يوليو خلال هجمات شارك فيها مستوطنون، بينهم 12 قتلوا على أيدي مستوطنين وثلاثة قتلوا على أيدي القوات الإسرائيلية.

وقال المكتب إن مسؤولية مقتل الفلسطينيين الثلاثة الآخرين لا تزال محل خلاف.

كما سجلت الضفة الغربية نحو 190 هجوما شهريا خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، وهو معدل يضع المنطقة على مسار لتجاوز ألفي هجوم بحلول نهاية العام، إذا استمر المستوى الحالي للعنف.

وتثير هذه الأرقام مخاوف بشأن اتساع نطاق الاعتداءات ضد الفلسطينيين وتزايد الضغوط التي يتعرضون لها في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.

 

اتهامات بالسعي إلى تغيير الواقع الديموغرافي

خلص تقرير يش دين إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية، التي تنفذ جزئيا من خلال توسيع البؤر الاستيطانية واستخدام العنف المنطلق منها في مناطق جديدة، تؤدي إلى دفع السكان الفلسطينيين نحو مراكز البلدات والقرى وإفراغ المناطق المحيطة من الوجود الفلسطيني.

وترى المنظمة أن هذه السياسة تدفع إسرائيل باتجاه تنفيذ توجه يهدف، وفقا لما ورد في تصريحات علنية لوزراء إسرائيليين، إلى ضم أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية مع إبقاء أقل عدد ممكن من الفلسطينيين فيها.

واتهمت المنظمة هذه السياسة بأنها تعتمد على ما وصفته بالجرائم المنظمة والمنهجية، التي تحظى بدعم ومساندة مؤسسات حكومية، معتبرة أن الهدف النهائي يتمثل في إفراغ المناطق المستهدفة من السكان الفلسطينيين.

 

إسرائيل تواجه ضغوطا دولية متزايدة

ويأتي التقرير في ظل تصاعد التحركات الدولية بشأن الاستيطان والعنف في الضفة الغربية، بالتزامن مع استمرار الدعوات الأوروبية إلى الحفاظ على إمكانية تطبيق حل الدولتين.

وتواجه إسرائيل في هذا السياق ضغوطا سياسية ودبلوماسية متزايدة، خصوصا من فرنسا ودول أوروبية أخرى، بشأن استمرار النشاط الاستيطاني وتداعياته على مستقبل الأراضي الفلسطينية.