حرارة تتجاوز 50 درجة بلا كهرباء.. الإيرانيون يواجهون صيفًا قاسيًا وأزمة خدمات متفاقمة
حرارة تتجاوز 50 درجة بلا كهرباء.. الإيرانيون يواجهون صيفًا قاسيًا وأزمة خدمات متفاقمة
تصف السلطات الإيرانية انقطاع الكهرباء بأنه انقطاع مجدول، وتعلن أن التيار سيتوقف لمدة ساعتين، بينما قد تعود المياه في وقت لاحق من المساء، مطالبة الأسر بتعديل نمط حياتها للتعامل مع حالات طارئة مؤقتة.
وبحسب شبكة "إيران إنترناشونال"، فإن الحياة اليومية لا تتوقف وفق جداول الانقطاع الرسمية، فاحتياجات المواطنين الأساسية لا تنتظر عودة الخدمات.
فالرضيع لا يتوقف عن الحاجة إلى مياه نظيفة بسبب توقف المضخات، والمريض لا يستطيع تأجيل استخدام أدوية تحتاج إلى تبريد أو أجهزة طبية تعتمد على الكهرباء، كما أن كبار السن الذين يعيشون في طوابق مرتفعة لا يمكنهم ببساطة استخدام السلالم عند تعطل المصاعد.
وخلال الصيف الإيراني القاسي، حيث تتجاوز درجات الحرارة في مناطق عدة 40 درجة مئوية وترتفع إلى أكثر من 50 درجة في الجنوب، لم تعد أجهزة التكييف مجرد وسيلة للراحة، بل أصبحت بالنسبة للأطفال وكبار السن والمرضى عاملًا مرتبطًا بالبقاء على قيد الحياة.
ورغم إعلان السلطات عن انقطاع الكهرباء لساعتين فقط، فإن حمى الأطفال، وأجهزة الأكسجين للمرضى، وحاجة الأسر إلى المياه النظيفة لا تتبع هذا الجدول الزمني.
أزمة الكهرباء والمياه مترابطة
ولا تعد أزمتا المياه والكهرباء في إيران مشكلتين منفصلتين، إذ يعتمد توزيع المياه بشكل أساسي على الكهرباء لتشغيل محطات الضخ ونقل المياه عبر شبكات البلديات، خصوصًا إلى المباني السكنية المرتفعة والمناطق الواقعة على ارتفاعات كبيرة.
وعندما ينقطع التيار الكهربائي، تتوقف المضخات عن العمل وينخفض ضغط المياه، ما يؤدي إلى سلسلة من الأعطال التي تؤثر في أكثر من قطاع في وقت واحد.
وتشير تقارير من مناطق مختلفة في إيران إلى استمرار انقطاعات الكهرباء لساعات يوميًا، بالتزامن مع نقص متكرر في إمدادات المياه.
وفي مدينة بومهن شرق طهران، أفاد سكان بأن المياه لم تصل إلى منازلهم سوى يومين فقط خلال أسبوع كامل، وحتى خلال هذين اليومين كانت متاحة لساعات محدودة.
وقال أحد السكان إن لديهم شخصًا مريضًا في المنزل، وإنهم لم يعودوا يعرفون إلى من يلجأون لحل الأزمة.
وفي مدينة برديس شرق طهران، قال أحد سكان مبنى مكون من 14 طابقًا إن انقطاع الكهرباء لمدة أربع ساعات تسبب في توقف المصاعد، متسائلًا عن كيفية تمكن السكان من صعود كل هذه الطوابق.
وفي محافظة إيلام، استمرت انقطاعات الكهرباء لأربع ساعات في وقت وصلت فيه درجات الحرارة إلى نحو 46 درجة مئوية، بينما اشتكى سكان محافظة خوزستان، إحدى أهم مناطق إنتاج النفط والكهرباء في إيران، من عودة الانقطاعات مع تجاوز درجات الحرارة حاجز 50 درجة.
مفارقة الطاقة في إيران
وتكشف هذه الأزمة واحدة من أكبر التناقضات في إيران الحديثة، فالدولة التي تمتلك بعضًا من أكبر احتياطات النفط والغاز الطبيعي في العالم لا تستطيع ضمان الكهرباء لمواطنيها.
كما أن المحافظات التي تنتج جزءًا كبيرًا من الطاقة الإيرانية تعاني بدورها من عدم استقرار التيار الكهربائي داخل المنازل.
وتخسر المصانع ساعات من الإنتاج، وتتراجع أرباح المتاجر الصغيرة، وتتلف الأغذية والأدوية، فيما تضطر الأسر إلى تنظيم حياتها اليومية وفق جداول انقطاع قد لا تكون دقيقة دائمًا.
وخلال فصل الصيف يعاني الإيرانيون من نقص الكهرباء، بينما يواجهون في الشتاء أزمات في إمدادات الغاز، لتتغير طبيعة الأزمة مع تغير الفصول لكنها لا تختفي.
أزمة ممتدة وليست طارئة
ويصف المسؤولون الإيرانيون المشكلة بأنها اختلال في توازن الطاقة، وهو تعبير يجعل الأزمة تبدو تقنية أكثر منها سياسية، إلا أن أزمة الطاقة في إيران لم تظهر بشكل مفاجئ.
فعلى مدار سنوات، لم يتمكن إنتاج الكهرباء من مواكبة ارتفاع الطلب، كما تدهورت شبكات النقل، وظلت الطاقة المتجددة محدودة، في حين استمرت أنظمة المياه في فقدان كميات ضخمة بسبب التسربات وتهالك البنية التحتية.
وفي يونيو 2026، توقع مركز أبحاث البرلمان الإيراني، بحسب تقارير، أن يصل عجز الكهرباء خلال ذروة الصيف إلى نحو 13 ألفًا و600 ميغاوات.
وكان رد الحكومة هو مطالبة المواطنين بخفض استهلاك الكهرباء بنسبة 10%، في خطوة اعتبرها منتقدون تحميلًا للسكان مسؤولية أزمة لم يتسببوا فيها.
فبإمكان الأسرة إطفاء مصباح، لكنها لا تستطيع تحديث محطة كهرباء، ويمكن للوالدين تقليل مدة استحمام الأطفال، لكنهما لا يستطيعان إصلاح شبكة مياه متهالكة، كما يستطيع صاحب متجر إيقاف جهاز تكييف، لكنه لا يستطيع تعويض عقود من نقص الاستثمارات أو بناء القدرات الكهربائية المطلوبة.
العوامل المناخية لا تفسر الأزمة بالكامل
وتواجه إيران بالفعل ضغوطًا بيئية حقيقية، إذ أدى الجفاف وارتفاع درجات الحرارة واضطراب معدلات هطول الأمطار إلى تراجع موارد المياه في مناطق واسعة من البلاد.
كما يزيد تغير المناخ من حدة الظروف في منطقة تعاني أصلًا من الجفاف.
لكن العوامل المناخية وحدها لا تفسر سبب هدر كميات كبيرة من المياه المتاحة، أو استمرار استخراج المياه الجوفية بمعدلات تتجاوز قدرة الطبيعة على تعويضها، أو استمرار الأساليب الزراعية غير الفعالة لعقود طويلة.
كفاءة منخفضة في إدارة الموارد
وحتى بعض الخبراء الذين نقلت عنهم وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية تصريحاتهم أقروا بوجود مشكلات داخلية في إدارة الموارد.
وقال هاشم أورعي، رئيس اتحاد جمعيات الطاقة الإيرانية، إن نحو 90% من استهلاك المياه السنوي في إيران يذهب إلى القطاع الزراعي، حيث تظل كفاءة الاستخدام منخفضة للغاية.
وأضاف أن نحو ثلث المياه التي تدخل شبكات التوزيع الحضرية تضيع قبل وصولها إلى المستهلكين.
وأشار التقرير إلى أن إيران لا تعاني فقط من نقص المياه، بل تفقد جزءًا كبيرًا من المياه التي لا تزال متاحة لديها.
كما أن الحرب الأخيرة لم تخلق الأزمة من الأساس، لكنها ضربت نظامًا كان يعاني بالفعل من الهشاشة ونقص التمويل وعدم القدرة على تلبية الطلب الوطني.
أضرار الحرب تزيد معاناة الإيرانيين
وقال مسؤولون في قطاع الكهرباء الإيراني إن أكثر من ألفي نقطة في شبكة الكهرباء الوطنية تعرضت لأضرار خلال الصراع، ما أدى إلى خفض القدرة الإنتاجية المتاحة بنحو 4200 ميغاوات.
ولم يتم التحقق بشكل مستقل من هذه الأرقام، لكنها تعكس حجم الأضرار التي تقول السلطات إنها تواجهها.
وفي مدينة بندر عباس، تحدث سكان عن وقوع انفجارات أعقبها انقطاع طويل للكهرباء.
وقالت امرأة تعتمد على الإنترنت في كسب دخلها إنها كانت تعاني بالفعل من انقطاعات الإنترنت التي تفرضها الحكومة، قبل أن تؤدي انقطاعات الكهرباء الطويلة إلى تهديد عملها بشكل أكبر.
وأضافت أن انقطاع الكهرباء كان موجودًا دائمًا، لكن عدد الساعات ارتفع مؤخرًا بشكل كبير.
وتكمن أهمية هذا الفرق في أن الحرب جعلت الانقطاعات أطول وأكثر خطورة، لكنها لم تكن السبب الأول في تعريف الإيرانيين بانقطاع التيار، إذ سبقتها سنوات من الإهمال.
الحياة اليومية تحت ضغط الانقطاعات
داخل المنازل، تظهر آثار الأزمة بشكل مباشر، إذ تتوقف الثلاجات عن تبريد الطعام والأدوية، وتعجز الأجهزة الطبية عن العمل إذا لم تمتلك الأسر مصادر طاقة احتياطية، وتتوقف المصاعد، ولا تصل المياه إلى الطوابق العليا عند تعطل المضخات الكهربائية.
كما يواجه الآباء صعوبات في إعداد الطعام وغسل الملابس وتعقيم أدوات الأطفال ورعاية كبار السن والمرضى.
ويرى التقرير أن كلمة انقطاع توحي بخلل مؤقت يعقبه عودة الحياة إلى طبيعتها، لكن عندما تختفي الكهرباء يوميًا، وتتوقف المياه والطاقة معًا، ولا يعرف المواطنون ما إذا كانت الجداول الرسمية يمكن الوثوق بها، فإن الانقطاع يتحول إلى جزء من الحياة الطبيعية.
فالمياه والكهرباء ليستا من الكماليات، بل تمثلان أساس الرعاية الصحية والنظافة والتعليم والصناعة والحياة الأسرية.

العرب مباشر
الكلمات