طوابير البنزين تضرب إيران.. الحرب والحصار الأمريكي يفاقمان أزمة الوقود

طوابير البنزين تضرب إيران.. الحرب والحصار الأمريكي يفاقمان أزمة الوقود

طوابير البنزين تضرب إيران.. الحرب والحصار الأمريكي يفاقمان أزمة الوقود
ايران

تواجه إيران أزمة متزايدة في إمدادات الوقود، مع ظهور طوابير طويلة أمام محطات البنزين في مختلف المدن، في ظل تأثيرات الحرب والحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية الجنوبية، ما يضع الحكومة أمام تحديات اقتصادية واجتماعية متفاقمة.

وأفاد مواطنون إيرانيون في مقابلات أجريت معهم، بأن مشاهد اصطفاف السيارات أمام محطات الوقود أصبحت منتشرة خلال الأسابيع الأخيرة، حتى خلال ساعات الليل المتأخرة، مع استمرار النقص في الإمدادات وقلق السلطات من تداعيات رفع أسعار الوقود على الاستقرار الداخلي.

وتكافح الحكومة الإيرانية للتعامل مع العجز في الوقود، وسط مخاوف من تقليص الدعم الحكومي المكلف، وهي خطوة قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار البنزين وتثير موجة جديدة من الاحتجاجات، خاصة أن قرارات مشابهة في الماضي تسببت في اضطرابات واسعة.

أزمة نقص الوقود تتفاقم تحت ضغط الحصار

رغم امتلاك إيران احتياطيات ضخمة من النفط الخام، فإن قدرتها على تكرير الوقود ظلت منذ سنوات غير كافية لتلبية الطلب المحلي على البنزين، وفق مسؤولين وخبراء اقتصاديين.

وتعتمد إيران عادة على استيراد كميات من الوقود لسد هذا العجز، إلا أن هذه الواردات تراجعت بشكل كبير بسبب استمرار الحصار البحري الأمريكي على موانئها الجنوبية، في وقت انخفض فيه الإنتاج المحلي للبنزين بعد تعرض مصافي التكرير الإيرانية لأضرار جراء الضربات خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

وقال إيرانيون في مدن عدة، بينها طهران وأصفهان وبندر عباس، إنهم شاهدوا طوابير طويلة أمام محطات الوقود خلال الأيام الماضية.

ونقلت شهادات عن مواطنين، أن الانتظار أصبح يمتد لساعات، حيث قالت ريحانة، وهي معلمة عاطلة عن العمل تبلغ من العمر 30 عامًا في مدينة مشهد، إن السيارات تصطف حتى منتصف الليل وفي ساعات الفجر الأولى للحصول على الوقود.

وطلب عدد من الإيرانيين الذين تحدثوا للصحيفة عدم الكشف عن أسمائهم كاملة، خشية التعرض لأي إجراءات انتقامية.

ضغوط اقتصادية متزايدة على الإيرانيين

تأتي أزمة الوقود في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا اقتصادية حادة مع دخول الحرب شهرها السابع دون مؤشرات واضحة على قرب نهايتها.

ويعاني الإيرانيون بالفعل من تضخم مرتفع، إذ أعلن البنك المركزي الإيراني أن معدل التضخم بلغ نحو 80% مقارنة بالعام الماضي، إلى جانب خسائر واسعة في الوظائف، تفاقمت جزئيًا بسبب الحرب وقرار السلطات فرض إغلاق على الإنترنت.

ويستهدف الحصار الأمريكي، من بين أهداف أخرى، الضغط على طهران للتراجع عن تشديد قبضتها على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية العالمية لشحنات الطاقة في الخليج العربي، بعدما فرضت القوات الإيرانية سيطرة فعلية عليه في بداية الحرب.

وأدى اضطراب حركة الشحن عبر المضيق إلى ارتفاع أسعار الوقود عالميًا، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة.

كما أعلنت الحكومة الأمريكية فرض عقوبات إضافية على إيران وكيانات مرتبطة بها، في محاولة لدفع النظام الإيراني إلى تقديم تنازلات.

خوف حكومي من تكرار احتجاجات الوقود

تدرك السلطات الإيرانية خطورة رفع أسعار الوقود في المرحلة الحالية، بعدما أدى قرار مماثل عام 2019 إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق قمعتها السلطات بعنف.

كما شهدت إيران موجة احتجاجات على مستوى البلاد في بداية العام الحالي بسبب الأوضاع الاقتصادية، ما يزيد من حذر الحكومة تجاه أي إجراءات قد تؤدي إلى غضب شعبي جديد.

وقال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع واشنطن، محمد باقر قاليباف: إن خفض استهلاك البنزين أصبح ضروريًا، لكنه اعتبر رفع الأسعار خطوة خاطئة، محذرًا من أن ما وصفه بـ العدو قد يستغل هذه القضية لإثارة اضطرابات داخلية.

من جانبه، قال أميرحسين خالقي، وهو اقتصادي إيراني، إن الأزمة تكمن في أن الحكومة تفتقر إلى الموارد والقدرة على الاستمرار بالسياسات الحالية، خصوصًا في ظل الحرب.

وأضاف: أن السؤال الأساسي يتمثل في كيفية مواصلة الوضع الراهن في ظل عدم توفر الموارد اللازمة للحفاظ عليه.

الحكومة الإيرانية تقر بالأزمة وتحاول إظهار التماسك

أقر مسؤولون إيرانيون بجزء من حجم الأزمة وتأثير الضغوط الأمريكية، لكنهم سعوا في الوقت نفسه إلى التأكيد على قدرة البلاد على الصمود.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان -في مقابلة مع التلفزيون الرسمي-: إن البلاد تواجه حربًا، وإن المنشآت النفطية والغازية تعرضت للاستهداف، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج، داعيًا المواطنين إلى المساعدة في تعزيز قدرة البلاد على مواجهة الضغوط.

وأضاف: أن إيران بحاجة إلى زيادة قدرتها على الصمود خلال المرحلة الحالية.

وفي السياق ذاته، أصدر آية الله مجتبى خامنئي، المرشد الإيراني، بيانًا أقر فيه بوجود تحديات اقتصادية ومعيشية، لكنه حذر المسؤولين من إظهار نقاط ضعف الحكومة أو تسليط الضوء عليها، معتبرًا أن ذلك قد يخدم خصوم إيران.

كما حذر في بيان آخر من محاولات خارجية لاستغلال الخلافات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجغرافية داخل إيران بهدف خلق انقسامات يمكن استخدامها لاحقًا لفرض نفوذ أجنبي.

أزمة الطاقة تكشف مشكلات قديمة في الاقتصاد الإيراني

لا تقتصر أزمة الوقود على تداعيات الحرب والحصار، إذ تعكس أيضًا مشكلات طويلة الأمد في قطاع الطاقة الإيراني، حيث تعاني البلاد من فجوة بين حجم الاستهلاك وقدرة البنية التحتية على تلبية الطلب.

ويقدم النظام الإيراني منذ سنوات دعمًا كبيرًا لأسعار الطاقة بهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين، في وقت ترتفع فيه أسعار السلع الأخرى بشكل كبير.

وتباع بعض كميات البنزين المدعوم بأقل من سنت واحد للتر وفق أسعار الصرف الحالية، مع فرض حصص محددة لكل مواطن، إلا أن هذه الحصص تراجعت خلال الأسابيع الأخيرة.

ورغم تعهد بزشكيان بعدم زيادة سعر البنزين ضمن الشرائح الأرخص، أشار إلى أن المستهلكين الذين يتجاوزون الحدود المحددة قد يدفعون أسعارًا تصل إلى ضعف السعر الحالي.

وقال بزشكيان: إن رفع أسعار البنزين بشكل غير مدروس سيؤدي إلى خلق مشكلات جديدة للمواطنين، مشيرًا إلى أن الحكومة قدمت دعمًا كبيرًا جدًا للوقود خلال السنوات الماضية.

التهريب وضعف النقل العام يزيدان أزمة الوقود

تعود جذور أزمة الوقود في إيران إلى عوامل متعددة، من بينها انخفاض الأسعار مقارنة بالدول المجاورة؛ ما أدى إلى تهريب جزء من البنزين المدعوم إلى الخارج لتحقيق أرباح، وفق مسؤولين وخبراء.

كما تعاني المدن الإيرانية، حتى الكبرى منها، من ضعف وسائل النقل العام، ما يدفع المواطنين إلى الاعتماد بشكل كبير على السيارات الخاصة وسيارات الأجرة.

وقال رضا غيبي، المحلل الاقتصادي المقيم في لندن، إن تعديل نظام الحصص لن يؤدي إلى حل المشكلة الأساسية، بل سيغير فقط طريقة توزيع النقص بين المواطنين.

وأضاف: أن خفض حصص الوقود أجبر كثيرًا من الإيرانيين على شراء البنزين غير المدعوم، وهو ما أدى إلى زيادة الازدحام أمام المحطات التي توفر كميات محدودة من هذا النوع من الوقود.

وقال سهيل، وهو مهندس في مدينة أصفهان: إن توفر البنزين في مدينته ما يزال أفضل نسبيًا، لكنه أشار إلى أن طوابير محطات الوقود تزداد طولًا يومًا بعد يوم.