من الحرب إلى الداخل.. إيران تواجه المعركة الأصعب مع مواطنيها
من الحرب إلى الداخل.. إيران تواجه المعركة الأصعب مع مواطنيها
قد يكون نظام الجمهورية الإسلامية في إيران قد نجا من الحرب، لكنه يواجه الآن تحديًا أكبر يتمثل في كيفية تحقيق السلام مع شعبه.
وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطاينة، فالإيرانيون ما يزالون يعانون من صدمة الحرب، إضافة إلى مقتل آلاف المتظاهرين على يد السلطات في وقت سابق من العام، فضلاً عن اقتصاد ينهار بسرعة.
وبدلاً من الإطاحة بالنظام، وهو هدف أُعلن عنه في البداية من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أظهرت الحرب قدرة النظام الإيراني على الصمود بعد مقتل عدد من قياداته العليا وطبقات من المسؤولين الكبار.
واليوم، وبعد أن يبدو أن الحرب قد انتهت، تواجه القيادة الإيرانية الجديدة ضغوطًا متناقضة؛ بين تيار متشدد يطالب بالتمسك الصارم بمبادئ الثورة الإسلامية، وشعب مرهق من الأعباء الاقتصادية والقيود السياسية.
اقتصاد منهك وتداعيات حرب قاسية
تسببت الحرب في دمار واسع، وأدت بحسب تقديرات السلطات إلى خروج نحو مليوني شخص من سوق العمل، كما ارتفعت معدلات التضخم لتصل إلى 77% خلال الشهر الماضي.
وكانت مستويات المعيشة في إيران قد تراجعت بالفعل خلال العقد الماضي نتيجة العقوبات الدولية وسوء الإدارة الداخلية، وهو ما فجّر موجات احتجاج واسعة في يناير الماضي تحولت إلى محاولة للإطاحة بالحكومة.
اتفاق أولي وفرص اقتصادية محتملة
ورغم الصورة القاتمة، تبرز بعض المؤشرات الإيجابية، إذ إن اتفاق السلام الإطاري الذي تم توقيعه بين إيران والولايات المتحدة الأسبوع الماضي قد يفتح الباب أمام انفراجة اقتصادية كبيرة، وربما يتيح لإيران الحصول على مئات مليارات الدولارات، مع إمكانية استفادة فورية من جزء من هذه الأموال.
لكن الفوائد طويلة المدى، بما في ذلك رفع العقوبات وإعادة الإعمار، تبقى مرهونة بمفاوضات معقدة حول البرنامج النووي الإيراني.
موجة وطنية نادرة بعد الحرب
أدى الهجوم على إيران وما تبعه من قصف للبنية التحتية المدنية إلى موجة من المشاعر القومية، شكلت لحظة نادرة من التماسك في بلد يعاني من انقسامات عميقة، ويرى محللون أن هناك اعتقادًا واسعًا داخل إيران بأنها خرجت منتصرة من الحرب.
وقال فؤاد إيزدي، الأستاذ المشارك في جامعة طهران: إن دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو نجحا في توحيد الإيرانيين أكثر من أي سياسي إيراني، مضيفًا أن حتى من لا يوافقون الحكومة لا يريدون رؤية أبنائهم في خطر أو تعرض مستشفياتهم للقصف.
إعادة تقييم المواقف داخل المجتمع الإيراني
من جانبها، قالت فنانة إيرانية تُعرف باسم إلهام، وتصف نفسها بأنها ذات ميول يسارية: إن الحرب وما سبقها من أحداث دامية في يناير دفعتها إلى إعادة النظر في مواقفها تجاه الغرب والاحتجاجات.
وأضافت: أن هناك قناعة متزايدة بأن السيناريو الذي استهدف دولاً مثل سوريا وليبيا والعراق وأفغانستان لا يمكن تكراره في إيران، معتبرة أن فكرة أن الولايات المتحدة يمكن أن تكون منقذًا هي وهم.
ورأت إلهام أن الاحتجاجات التي تتحول إلى ما وصفته بمحاولات تغيير النظام غالبًا ما تُستغل من أطراف خارجية وتنتهي بقمع دموي، داعية بدلاً من ذلك إلى حركات اجتماعية قاعدية قادرة على تحقيق التغيير تدريجيًا.
وحذرت من أن تكرار أحداث يناير كل عام قد يؤدي إلى انهيار اجتماعي، حتى لو لم يسقط النظام، مؤكدة الحاجة إلى بناء تحالفات جديدة بين مختلف التيارات السياسية، سواء الإصلاحية أو المتشددة، لإعادة تصور المستقبل بشكل مختلف.
إعادة تشكيل الخريطة السياسية
أدت الحرب إلى إعادة خلط الأوراق السياسية داخل إيران، حيث تداخلت الفوارق بين المحافظين والمتشددين والإصلاحيين، كما انقسمت مفاوضات السلام بين تيار محافظ براغماتي يفضل التفاوض مع الولايات المتحدة، وآخر متشدد يرفض أي اتفاق.
ومن اللافت أن المفاوضات مع واشنطن قادها رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو من التيار المحافظ، بدلاً من الإصلاحيين الذين ارتبطت بهم فكرة الانفتاح على الغرب. كما حصل الاتفاق على دعم من الحرس الثوري، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز أجنحة التيار المتشدد.
وأكد قاليباف مؤخرًا ضرورة التركيز على التعافي الاقتصادي.
تحولات في المزاج العام الإيراني
وقالت زينب قاسمي تاري، الأستاذة المساعدة في جامعة طهران: إن التجمعات الليلية الكبيرة في الساحات العامة التي بدأت خلال الحرب واستمرت بعدها تعكس أكثر من مجرد نزعة وطنية، بل تعبيرًا عن صمود جماعي وتحدٍ مشترك.
وأضافت: أن المظالم الاقتصادية ما تزال قائمة، لكن الاحتجاجات التي شهدها يناير ارتبطت بخطاب مؤيد للغرب فقد مصداقيته في نظر جزء من المجتمع.
وأشارت إلى تراجع الأصوات الإصلاحية الداعية إلى الانفتاح على الغرب، مقابل صعود تيار يميل إلى إعادة التموضع أو الصمت، مؤكدة أن الحرب أعادت تشكيل الوعي العام بشكل ما يزال مستمرًا.
مستقبل غامض للنظام
ورغم صعود بعض الشخصيات البراغماتية، يشكك كثيرون في قدرة النظام على استثمار لحظة الوحدة الحالية لإجراء إصلاحات حقيقية.
كما ما يزال المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، الذي يُعتقد أنه أصيب خلال الحرب، غائبًا عن الظهور العلني ولم يقدم حتى الآن أي رؤية داخلية واضحة.
ويرى محللون، أن النظام الحالي غير قادر على إحداث تغيير اقتصادي جذري بسبب طبيعته المغلقة.
وقال مهران حقيّريان، مدير الأبحاث في مؤسسة بورس آند بازار ومقرها لندن: إن النظام لا يمكنه تحسين الوضع الاقتصادي دون الانفتاح على العالم الخارجي، مشيرًا إلى أنه نظام تديره أقلية سياسية، ما يجعله في حالة صراع دائم مع الداخل.
اختبار وجودي للنظام الإيراني
أما أليكس فاتانكا، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، فاعتبر أن إيران بحاجة ماسة إلى تخفيف العقوبات وتحقيق التعافي الاقتصادي، وإلا فإن التماسك الذي فرضته الحرب سيتحول مجددًا إلى صراع بين الدولة والمجتمع.
وأضاف: أن التحدي الحقيقي أمام طهران لم يعد ردع واشنطن، بل قدرتها على تحويل لحظة التماسك القسري إلى عقد اجتماعي مستدام مع المواطنين، وهو ما وصفه بأنه الاختبار الأصعب والأكثر وجودية في المرحلة الحالية.

العرب مباشر
الكلمات