بين القصف والحطام.. صيادو بندر عباس يعودون إلى البحر وسط خوف من حرب جديدة
بين القصف والحطام.. صيادو بندر عباس يعودون إلى البحر وسط خوف من حرب جديدة
على متن قاربه الراسي على امتداد مضيق هرمز، كان الصياد الإيراني محمد أمين يصلح شبكة صيد ممزقة بعد يوم طويل قضاه في مياه طالما شكلت مصدر رزقه، لكنها أصبحت اليوم محاطة بمخاطر الموت والدمار.
وأكدت صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" الصينية، أنه لم يمضِ أقل من شهر منذ أن عاد الصياد البالغ من العمر 47 عامًا إلى ممارسة روتينه المعتاد، حيث يستيقظ قبل الفجر، ويتجه إلى البحر، ثم يعود بعد ساعات محملًا بصيده اليومي، وهي الحياة التي اضطر إلى تعليقها خلال أشهر المواجهات بين إيران والولايات المتحدة في المنطقة الاستراتيجية وحولها.
وخلال فترة توقفه عن العمل، استنزف محمد أمين مدخراته المحدودة، بينما كان يعيش على وقع الخوف من تعرض قاربه الصغير، الراسي إلى جانب عشرات القوارب الأخرى على واجهة بندر عباس البحرية، للدمار بسبب الضربات العسكرية.
توقف عن العمل
وقال الصياد الإيراني، أثناء قيامه بخياطة خيوط النايلون في شبكته بعناية، إنهم ظلوا عاطلين عن العمل لأكثر من ثلاثة أشهر، وإن الخروج إلى البحر كان أمرًا مستحيلًا خلال تلك الفترة.
وبحسب وسائل إعلام إيرانية، قُتل ما يقرب من 12 صيادًا قبالة بندر عباس والجزر الجنوبية القريبة منها، فيما فُقد 17 آخرون من محافظة سيستان وبلوشستان المجاورة الواقعة جنوب مضيق هرمز، خلال أشهر القتال.
وقال محمد أمين: إن الصيادين عادوا إلى البحر منذ نحو 20 يومًا، موضحًا أنهم لم يعد بإمكانهم الانتظار أكثر من ذلك.
وأضاف: أن عدم العودة إلى العمل يعني الموت جوعًا، مشيرًا إلى أن لديه ثلاثة أطفال يعتمدون على مصدر رزقه.
وكانت الواجهة البحرية في بندر عباس، التي تصطف على جانبيها مقاهٍ بسيطة يلجأ إليها السكان هربًا من حرارة الصيف الشديدة، قد تعرضت لهجمات متكررة خلال نحو 40 يومًا من القتال العنيف، إضافة إلى الاشتباكات المتقطعة التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 8 أبريل.
وقال صياد آخر يدعى حسين، يبلغ من العمر 53 عامًا: إن المنطقة كانت تتعرض للقصف يوميًا حتى أصبح الأمر اعتياديًا، لكنه أوضح أنه لم يكن هناك مكان آخر لوضع القوارب، مشيرًا إلى أنه عاد إلى البحر بمجرد تراجع حدة القتال، رغم بقاء كثير من الصيادين على الشاطئ.
وذكرت صحيفة إيران ديلي في أواخر يوليو، أن أكثر من ألفي صياد في محافظة هرمزجان الجنوبية فقدوا معدات الصيد الخاصة بهم خلال المواجهات، فيما أفادت وكالة أنباء إيسنا بتضرر مئات قوارب الصيد والتجارة.
الحرب تركت آثارها في قاع البحر
بالنسبة للصياد باقر عباس زاده، البالغ من العمر 39 عامًا، فإن قاربه لا يمثل مصدر رزقه فقط، بل يعيل من خلاله أربع عائلات أخرى، لذلك فإن فقدانه كان سيكون كارثة لا يمكن تصورها.
وقال عباس زاده: إنه لو أصابت الولايات المتحدة القارب، لانتهى كل شيء بالنسبة لهم، موضحًا أنه يعيش على إصلاح شبكات الصيد المتضررة.
ويعد إصلاح الشباك الممزقة عادة قديمة لدى الصيادين، وغالبًا ما يحدث بعد تعلقها بالشعاب المرجانية أو المراسي أو العوائق الموجودة تحت الماء، إلا أن هذه العملية أصبحت أكثر تكرارًا منذ اندلاع الحرب.
وأوضح محمد أمين، أن شباكه أصبحت تعلق بشكل متكرر بحطام السفن التي تضررت خلال المواجهات وبقايا الحرب المنتشرة في البحر، ما يضطره إلى استبدال المعدات بوتيرة متزايدة رغم ارتفاع تكلفتها.
وقال: إنه استبدل أربع شبكات صيد منذ عودته إلى البحر، مشيرًا إلى أن المياه كانت ملوثة قبل الحرب، لكنها أصبحت أسوأ بسبب حطام السفن.
من جانبه، قال حسين: إنه لا يستطيع تحديد الأشياء التي تعلق بها شباكه بدقة، موضحًا أن عدة سفن تعرضت للاستهداف، وكانت إحداها قريبة من الشاطئ، لكن ما يوجد تحت سطح المياه غير مرئي، لذلك تعلق الشباك بالقمامة وقطع المعادن الموجودة في القاع.
قلق مستمر من تجدد الحرب
وقال عباس زاده: إنه يعيش حالة من عدم اليقين المستمر، في ظل عدم وجود نهاية واضحة للصراع الذي يتركز حاليًا حول مضيق هرمز، الذي يخضع للسيطرة الإيرانية منذ بداية الحرب.
وتؤكد إيران أنها ستحتفظ بالسيطرة على الممر البحري الاستراتيجي، مع مطالبتها السفن بالحصول على إذن للعبور ودفع رسوم خدمات المرور، وهو الإجراء الذي تعارضه الولايات المتحدة وعدد من دول المنطقة.
وقال عباس زاده: إنه يشعر بالقلق بالتأكيد من احتمال اندلاع الحرب مجددًا، معربًا عن أمله في أن تكون أي تطورات مستقبلية في مصلحة الناس العاديين.
وفي الوقت الذي يواصل فيه دبلوماسيون من إيران وسلطنة عمان جهودهم للتوصل إلى ترتيبات بشأن وضع المضيق، يؤكد الصيادون على الساحل الجنوبي الإيراني أنهم لا يعرفون الكثير عن مسار المفاوضات، وأن اهتمامهم الأساسي ينصب على قدرتهم على مواصلة كسب لقمة العيش.
وقال حسين: إنه لا يعرف طريقة أخرى لإعالة أسرته، مؤكدًا أنه سيعود إلى البحر حتى لو استؤنف القتال، لأنه لا يوجد خيار آخر أمامه سوى العمل، متسائلًا عن مصدر المال إذا توقف عن الصيد.
أما محمد أمين، فيرى أن الصراع لم ينته بعد، مؤكدًا أن الحرب لن تتوقف، لأن أي طرف لا يبدو مستعدًا للتوصل إلى اتفاق مع الطرف الآخر.

العرب مباشر
الكلمات