إيران بعد الحرب: صراع داخلي بين ضغوط الشارع وتصعيد المتشددين

إيران بعد الحرب: صراع داخلي بين ضغوط الشارع وتصعيد المتشددين

إيران بعد الحرب: صراع داخلي بين ضغوط الشارع وتصعيد المتشددين
إيران

تواجه القيادة الدينية الحاكمة في إيران مرحلة حساسة ومعقدة بعد نجاحها في احتواء حملة عسكرية أمريكية، إذ يبدو أن التحديات الحقيقية بدأت الآن، مع تصاعد التباين بين مطالب التيار المتشدد الذي خرج من المواجهة أكثر ثقة، وبين احتياجات شعب يعاني الفقر والغضب وتدهور الأوضاع الاقتصادية، بحسب ما نقلته وكالة "رويترز" الإحبارية الدولية.

ففي حين يشعر التيار المتشدد داخل إيران بالزخم بعد مواجهة استمرت ثلاثة أشهر ويعتبرها انتصارًا، يطالب هذا التيار القيادة باتخاذ موقف أكثر صرامة في المفاوضات المقبلة مع الولايات المتحدة، مع إعطاء الأولوية لإعادة بناء القدرات العسكرية، إلى جانب الثقة بقدرتهم على احتواء أي احتجاجات داخلية بالقوة.

في المقابل، يطالب المواطنون الإيرانيون العاديون بأن تنعكس أي انفراجة اقتصادية أو تخفيف للعقوبات على تحسين مستوى المعيشة وفتح آفاق اقتصادية أفضل، بعد حرب مدمرة جاءت امتداداً لسنوات طويلة من العقوبات التي أنهكت الاقتصاد.

انفجار اجتماعي

ويخشى مراقبون من أن يؤدي هذا التناقض إلى انفجار اجتماعي جديد، في ظل ذكريات قمع احتجاجات سابقة شهدت سقوط آلاف القتلى، ما يجعل البلاد أمام احتمالية عودة اضطرابات واسعة إذا فشلت السلطات في تلبية التوقعات الشعبية.

وقال حميد رضا عزيزي، الباحث الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين: إن اللحظة التي تنتهي فيها الحرب ستفتح الباب أمام التحديات الحقيقية للنظام الإيراني، خصوصًا في ظل هشاشة الاتفاق المرحلي القائم حاليًا.

وأضاف مسؤولون إيرانيون، حاليون وسابقون، أن البلاد تواجه ضغوطاً متزايدة مع انتقال المجتمع من أجواء الحرب إلى واقع اقتصادي متدهور وبنية تحتية مدمرة.

وأشار ثلاثة من هؤلاء المسؤولين إلى أن هناك توقعات شعبية بأن يتم توجيه أي تخفيف للعقوبات أو أصول مالية مجمدة نحو دعم الاقتصاد وتحسين الظروف المعيشية.

أوضاع اقتصادية صعبة

وأوضح أحد كبار المسؤولين، أن الإيرانيين أنهكهم الصراع والأوضاع الاقتصادية الصعبة، مشيرًا إلى أن أي موارد مالية متاحة سيتم توجيهها على الأرجح إلى إعادة الإعمار ودعم السيولة المصرفية وتحفيز الاقتصاد.

كما حذر المسؤولون من أن فشل الحكومة في تحسين مستوى المعيشة قد يؤدي إلى موجة جديدة من الاحتجاجات، معتبرين أن الاتفاق يمثل سيفا ذا حدين بسبب ارتفاع سقف التوقعات الشعبية.

وقال مسؤول سابق من التيار الإصلاحي، إن القيادة الإيرانية تدرك جيدًا هذه المخاطر، وهو ما كان أحد الأسباب التي دفعت طهران إلى قبول اتفاق إعادة فتح مضيق هرمز.

ومن المتوقع، أن يتضمن الاتفاق المرحلي لإنهاء الحرب، والذي يُنتظر توقيعه بين إيران والولايات المتحدة يوم الجمعة، بعض التسهيلات المالية لطهران، على أن تتوسع هذه التسهيلات إذا تم التوصل إلى اتفاق أوسع خلال الصيف.

تحديات كبرى

ويواجه الاقتصاد الإيراني تحديات حادة تشمل ارتفاعًا كبيرًا في معدلات التضخم، وتراجعًا في قيمة العملة، وارتفاع معدلات البطالة، إضافة إلى أضرار واسعة في البنية الصناعية والتحتية نتيجة الحرب، ما يجعل كلفة التعافي مرتفعة للغاية.

وقال سعيد ليلاز، الخبير الاقتصادي والمحلل السياسي الإيراني: إن أمام طهران نافذة زمنية محدودة للسيطرة على الأوضاع الداخلية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تواصل التركيز على التطورات الداخلية في إيران.

ويرى محللون، أن الحصول على تخفيف طويل الأمد للعقوبات، بما يتيح عودة إيران إلى الأسواق العالمية، لا يزال مرهونًا باتفاق أوسع بشأن برنامجها النووي، وهو ما يبدو بعيد المنال في الوقت الحالي.

انقسامات داخلية

وقال أحد عناصر ميليشيا الباسيج التابعة للحرس الثوري، ويدعى حسين: إن ما يجري يمثل اتفاقًا مع “العدو الذي قتل قائدنا”، متسائلاً عن مصير ما وصفه بالثأر، ومعبّرًا عن رفضه لمسار المصالحة الحالي.

وفي المقابل، أقر أحد المسؤولين الإيرانيين بضرورة التعامل مع الأوضاع المعيشية الصعبة، لكنه شدد على أن الحرب أثبتت أن تعزيز القدرات العسكرية يظل أولوية قصوى، مؤكدًا أن عملية إعادة بناء القوة العسكرية ستتواصل بوتيرة كاملة.

وحذر عزيزي من أن ضخ أموال سريعة في الاقتصاد قد يساعد الحكومة على تأجيل مواجهة الغضب الشعبي، لكنه لن يحل جذور الأزمة.

واختتم بالقول: إن التحدي الأكثر إلحاحًا أمام القيادة الإيرانية يتمثل في إقناع قاعدتها المتشددة بأن الاتفاق الحالي يصب في مصلحتها، خاصة أن النظام اعتمد خلال الحرب ووقف إطلاق النار على هذه القاعدة الصلبة لضمان الاستقرار الداخلي.