| الأحد 23 سبتمبر 2018
رئيس التحرير
علياء عيد
الأربعاء 12/سبتمبر/2018 - 08:14 م
ياسمين الخطيب
ياسمين الخطيب

من صندوق الذكريات: حكاية مستشار موزة ومرسي

arabmubasher.com/50450

منذ عام أو أكثر بقليل، قطعت عهداً على نفسي بالتوقف –تماماً- عن كتابة المقالات السياسية، بعد انتظام دام لسنوات، كتبت خلالها في الشأن السياسي مقالاً أسبوعياً بصفحات الرأي بمعظم الجرائد المصرية، كما أنجزت في الشأن ذاته 3 مؤلفات قبل ان أتجه إلى الكتابة الأدبية.

ثم تلاحقت الأحداث بشكل غرائبي في شتى أقطار الوطن العربي، فكُشفت حقائق، خيَّب جميلها سوء ظني، فأدركت أني أخطأت مراراً في تفسير المشهد السياسي، الذي أصبح عصياً على فهم أهل الاختصاص. فاعتزلت ما قد أظلِم أو أُظلم به، حتى يُبين الله الرشد من الغي.

لكن مرور الأيام وتقلب الأحوال لم يُبدل أبداً موقفي –ولن- من الإخوان وقطر وتركيا.. من الإرهاب الذي تخوض معه بلادي حرباً تاريخية حاسمة، أشارك فيها على استحياء بكل ما أملك من سلاح.. قلمي..

وقد سطرت به في الأيام الضنك مقالاً عن علاقة الشيخة مُزة بأحد مستشاري رئيس الإخوان المخلوع مرسي. لكنه لم يُنشر وقتذاك لعدة اعتبارات بعضها سياسي والآخر شخصي، فآثرت أن أُخفيه في درج مكتبي درءاً لمعارك ضررها أكبر من نفعها، لكن القدر أبى أن يجعل حروفه نسياً منسياً، فوضعه بين يدي وأنا أقلب في أوراقي ليُبعث من جديد، إذ إني قررت نشره –كما كُتب أول مرة- بعد طمس الأسماء الواردة به..

منذ أيام لم يتوقف الناس عن التساؤل: تُرى.. من يكون المستشار القانوني الجديد لمرسي؟! ذلك الرجل الخفي الذي ترجع إليه فتوى "إحياء الميت" الشهيرة بعودة مجلس الشعب المنحل؟! فإليكم الإجابة..

هذا الرجل اللغز ابن محافظة كفر الشيخ مواليد 1970، تزوج فى القاهرة من كريمة رئيس حى، وتخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1991 ثم تقدم للحصول على دبلوم القانون العام من جامعة القاهرة فى العام الثانى من تخرجه، وترك حقوق القاهرة دون أن يحوذ الدبلوم الثانى الذى يجعله يحمل درجة الماجيستير، بسبب خلافات مع أعضاء هيئة التدريس وتوجه إلى جامعة عين شمس ليحصل على دبلوم القانون الدولى عام 1993، وانضم إلى مجلس الدولة وعمل مستشاراً قانونياً لوزارة الداخلية، اعتباراً من عام 1999 وحتى 2004، وهى الفترة الأولى لولاية حبيب العادلى، وعمل عضواً بمجلس تأديب ضباط الشرطة دون رتبة عميد، بعد إلحاح طويل منه للانضمام، وكان محل رعاية المستشار يحيى عبد المجيد رئيس إدارة فتوى الداخلية وقت ذاك، ومحافظ الشرقية، ووزير شؤون مجلس الشورى ضِمن آخِر وزارات مبارك.

 ثم فجأة فى مايو 2004 سافر إلى دولة قطر معاراً إلى مجلس المرأة، الذى ترأسه السيدة موزة المسند حرم أمير قطر حمد بن جاسم، وصاحبة الكلمة العليا فى عالمنا العربى اليوم، وسرعان ما ترقى داخل أروقة المجلس حتى صار المستشار الشخصى لها، وأصبح له قدم كبير فى القصر الأميرى، وسافر جينيف عدة مرات استمرت إحداها ثلاثة شهور لتمثيل قطر فى المحافل الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وبدأ فى تجهيز مادة أطروحته للدكتوراه فى العلاقات الدولية فى أثناء وجوده فى سويسرا، والتى حصل عليها فى سبتمبر عام 2010 من كلية الحقوق جامعة عين شمس.

والجدير بالذكر أنه اضطر للعودة إلى القاهرة واستلام عمله فى مجلس الدولة لاستنفاده مدة الست سنوات -الحد الأقصى لمدة إعارة القضاة- وليس كما يدعى أنه أحس بإرهاصات الثورة، فقطع إعارته وعاد. بل إنه حصل على استثناء لمدة 3 أشهر لإنهاء متعلقاته بقطر زيادة على المدة المحددة قانوناً. وذلك فى عهد المستشار محمد الحسينى رئيس مجلس الدولة. ولم يترك مكانه شاغراً لدى السيدة موزة، وإنما أرسل مكانه شقيقه ليجلس على كرسيه.

ويذكر قضاة مجلس الدولة أنه عاد إلى عمله فى ظل احتدام الصراع بين معظم قضاة مجلس الدولة والمستشار الحسينى رئيس المجلس، فى قضية كانت مدوية فى ذلك الوقت، وهى تعيين المرأة قاضية. فكان قضاة المجلس عن بكرة أبيهم ضد هذا التعيين الذى لم يؤيده إلا (خمسة) قضاة، وسرعان ما عرض هو خدماته على المستشار الحسينى، وأعد دراسة قانونية عن موقف الشريعة الإسلامية والتشريعات المؤيد لعمل المرأة فى القضاء، رغم انقلابه على هذه الثوابت بعد ذلك! والمهم فى القصة أن الدراسة التى أعدها ووُزعت على أعضاء مجلس الدولة الذين أجمعوا على أنها أقرب إلى الحكايا الكوميدية، التى لا تسوق دليلاً قانونياً بل تتحدث عن انفعالات المرأة ورهافة مشاعرها، التى تجعلها أقرب للعدل، وأن الدورة الشهرية فيها من أساليب الضبط والتنظيم ما يجعلها لا تؤثر على ذهن المرأة ونفسيتها كقاضٍ، وأسانيد أخرى مُضحكة. المهم أنه قد أحرز بهذه الدراسة قراراً من رئيس مجلس الدولة بنقله إلى المكتب الفنى مكافأة له. وكانت الداهية يوم انعقاد الجمعية العمومية الأكبر فى تاريخ المجلس، حيث لم يستطع أن يحضرها أو أن يطرح ورقته، رغم تحدي القضاة له، حتى أن أحدهم قال له: "لو راجل احضر الجمعية واعرض الورقة بتاعتك"!

لا أعرف إن كانت مصادفة أن يستقر الرجل جاراً لمدير قناة الجزيرة بالقاهرة، والتى صار فى الأيام الأولى لثورة 25 يناير ضيفاً دائماً على شاشتها، ثم افتعل قصة لا أساس لها وهى أنه يتعرض للتضييق فى مجلس الدولة وأنه أحيل إلى التحقيق بسبب مناصرته للثورة وثوارها، وصدق الجميع قصته، رغم أنه في حالة الإحالة للتأديب، يقتضى وقفه عن العمل وإخطاره بلائحة اتهام، وهذا لم يحدث من أساسه.

ثم استقر الحال به عضواً بالترتيب الخامس فى دائرة العقود الإدارية بالقاهرة، ويتعجب المختصون من آخِر إبداعاته القانونية، والتى تجلت فى القرار الصادر من رئيس الجمهورية رقم 12 لعام 2012، بعودة مجلس الشعب المُنحل، والذى استند فى ديباجته إلى المواثيق الدولية، وهو الأمر الذى ليس له سابقة فى التاريخ الدستورى المصرى، وجعل المختصين يضربون كفاً على كف، فما دخل الشأن الداخلى المصرى والاتفاقيات الدولية؟! لكن يبدو أن حدود معرفة الرجل أفرغها دون وعى فى قرار مرسى، الذي لا يعي بدوره شيئاً.. لا هو ولا جماعة الهواة التي تحكم مصر الآن –بكل أسف.

هذا المقال لا يراد بنشره إلا التذكرة والتشفي.. فقد رحل مرسي واختفى برحيله رجاله وجماعته.. ولن يعودوا.. لن يعودوا.